Posts Tagged ‘مريم’

صندوق بريد: رسائل الى مريم 3

30 يناير 2015

10576900_807386925968474_6043715761106058577_n (1)

الخميس، ربما تعلمين بأنه يوم إجازتي من العمل يا مريم. حتى اللحظة ما زال بعض المؤمنون حول العالم يحتفلون بذكرى ميلاد سيدنا المسيح. إستيقظت على صوت مولانا محمد عمران وهو يتلو ما تيسر من سورة الكهف. أغلقت التسجيل في لحظة كان يقول فيها عمران “وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً”.  على هاتفي الساعة العاشرة صباحاً. بالرغم من التعب وحاجتي الى النوم لوقت أطول إعتدلت على السرير. أشعلت سيجارة ونهضت بإتجاه النافذة لأرى ماذا حل في الدنيا من شدة نباح الكلاب ليلة أمس. لا تقلقي لا شيء سيتغير في تفاصيل هذا الكون. كعادتي السيئة أطفئت السيجارة بمجرى الشباك وتوجهت لأغسل وجهي. نظرت إليه في المرآة ضحكت ورثيت حظي السيء. وذهبت مسرعاً الى المطبخ لكي لا تفوتني جلسة الإفطار مع وفاء. بصدق يا مريم، لا أذكر متى كانت آخر مرة تناولت الإفطار معها. طوال الفترة الماضية يا عزيزتي كنت أعود من العمل في وقت متأخر جداً وفي معظم الأحيان تكون نائمة. أشفق عليها ولا أوقظها. إعتدت هذه الفترة على أكل الوجبات السريعة أو الباردة. من ثم أنام مباشرة دون الإستماع الى الموسيقى حتى. لا أبالغ إن قلت  بأن حياتي أصبحت رتيبة بشكل مفجع، أشبه بحياة فقمة عجوز تعايش الملل. تتمدد على السرير في محاولة لسماع الموسيقى فيغلبها النعاس وتنام. تعمدت وفاء قبل هذا  أن تعلمني تحضير الكثير من الوجبات السريعة. لذيذة؟ ربما، لكن ليست بلذة الوجبات التي تصنعينها. إبتسامة وفاء مع إنسجام ضوء الشمس على خدها الأيسر وهي تحدثني عن أشياء كثيرة حصلت طيلة الاسبوع هو ما يهون علي كل هذا التعب يا عزيزتي.  طلبت منها تحضير الشاي بالليمون حيث أعاني من كحة شديدة كالمعتاد. الى حين تصفح بريدي لعلي أجد رداً منك على رسائلي اللعينة هذه. ببؤس. أدركت بأن لا شيء جميل ينتظرني هذا العام. ها قد عرج الشهر الأول منه وحتى اللحظة لم أجد تفسيراً واضحاً لما يحدث. أرسل لكِ الكثير من الرسائل وأدرك تماماً بأنك تقرأينها ولكن لا تجيبين. غيابك جعلني مشوشاً. هل تدركين ذلك يا عزيزتي؟. صدقيني يا مريم. سيكون أمراً عظيماً إذ ما أرسلتي أي رد حول هذه الرسائل حتى وإن كان لأمر سيء يحدث لكِ.  حل المساء سريعاً هذا اليوم. ارتديت ملابسي وغادرت المنزل في تمام السابعة. جلست في سيارة الأجرة فوجدتك بجانبي صامتة كالعادة. أدار السائق مؤشر الاذاعة ليحل صوت ام كلثوم في لحظة قالت فيها “والعمل ايه العمل ما تقولي اعمل ايه، والأمل انتا الأمل تحرمني منك ليه؟” نظرت اليكِ مبتسماً دون أن تعيري أي إهتمام. فبدأت أردد مع الست في نفسي “بيني وبينك خطوتين شوف بقينا ازاي، انا فين ياحبيبى و أنت فين”. نظرت  إليكِ مرة أخرى لأرى إبتسامة ولمعان في عينيك كأنكِ تعرفين ماذا يردد عقلي. شجعتني ابتسامتك لأقول: طيب والعمل؟ تحرمني منك ليه؟. نزلت من السيارة وألقيت نظرة أخيرة عليها قبل أن تغادر. صحيح يا مريم كانت فارغة من الركاب تماماً. تقولين في نفسك خيالات؟ إذاً سأخبرك سراً: حاولت ذات ليلة أن أحادث الله. تخيلي!. السماء أحادية اللون. سُلم ذو درجات قديمة كالأزل. صعدت فشاهدت. الخائفون من الصعود لكي لا تتعثر اقدامهم. كانوا مغمضو العينين. أظن بأنهم هكذا أمروا. الطامعون في الوصول بسيرهم الحثيث، خطاهم ثابتة يا عزيزتي. من توقف في منتصف السلم ولم يكمل الصعود، بدا لي بأنهم تعثروا ولكنهم لم يسقطوا. من حاول إخفاء دمعه ومن كان شديد البُكاء. من عايش الفراق دون أن يحظى بفرصة أخيرة للوداع. الطامعون بفرصة أخرى يا مريم. ومن يسأل عن امكانية الرجوع. والهاربون من رحمة من أحبوا لرحمة الله. الصامتون المعتبرون مما حدث. والمتألمون لما يحدث. الثَكالى المَفْجُوعين بالفراق. أنهكتني الخُطى يا حبيبتي. حيث لا أحد يصل، ارْتَعِد فأدرك بأن لا سبيل للوصول. أعود مسرعاً لأرى وجهك يتشكل من بخار أنفاسهم. ماذا كنت اريد من الله؟ اريد ان أسأله عن الحب!. ما الحُب يا مريم. ما الحُب؟. وأنا أكتب لك الآن يا مريم أتذكر كيف كنتِ تصرين على الجدال معي لأمور كنت أظنها تافهة. أسماء أطفالنا. تولين! بربك من أين جئتي بهذا الإسم؟. أين سنسكن، بالقرب من منزل وفاء ام لا؟. الطريقة التي سأحلق بها شعري وذقني. الأفضلية لمباراة كرة قدم ام برنامج اغاني. كم مرة ستزورين امك في الشهر. نوع ثيابك الداخلية في ليالي الصيف. كل هذه الأمور وغيرها كنا نختلف حولها يا مريم. دائماً ما كنتِ تقولين هذا. ونحن الآن على الأقل ودون أن تدركي نتفق سوياً على الغياب. كم أجد نفسي سخيفاً يا مريم وأنا أكتب لكِ عن كل هذه الخيالات التي تملأ فجوات عقلي. ولكن لا تدركين كم سيكون هذا العام عظيماً اذا ما أرسلتي رداً ولو بكلمة حول هذه السخافات. الفقمة العجوز باتت تدعوا ربنا الذي في السماء، رب الطيبين ومنير درب الصالحين أمثالك أن يحفظك من كل سوء حبيبتي.

صندوق بريد: رسائل الى مريم 2

7 نوفمبر 2014

10576900_807386925968474_6043715761106058577_n (1)

توفي شقيق والدي الأكبر إسماعيل في الخامس عشر من أكتوبر يا مريم. وحتى أكون صادق تماماً كما عاهدتني يا حبيبتي أقول بأني لم أحزن كثيراً. كانت آخر زيارة له الى بلادنا قبل أكثر من عشرة أعوام. هكذا قيل لي عندما سألت عن آخر زياراته. ولكونك تعلمين بأن ربنا الذي في السماء أنعم علي بالنسيان لا أذكر أي من تفاصيل تلك الزيارات. تذكرين عندما ماتت جدتك يا عزيزتي قبل عامين كُنتِ تبكين بشدة. نعم، أتذكر كلامي الذي لم يعجبك آنذاك، قلت لما تبكين! عزرائيل الآن يعمل في كل بقاع الأرض والموتى في هذه اللحظة كطوابير النمل، وبكائك لن يعيدها لعجوز مرة أخرى. مشهد البكاء ما بعد الموت عبثي يا مريم. تماماً كمشهد الجنازة. أخبريني ما جدوى الحزن؟. أخبرني أحدهم ان لحظة الموت هي التجربة الأجمل في حياة الإنسان. هل تصدقين ذلك؟ هذه حقيقة. وفاء في هذا اليوم كانت تُهيء نفسها لتصنع كعكة لتنتظرني مساءاً بعد العودة من العمل للإحتفال. أعلم انك لن تعيري أي اهتمام لما كُتب آنفاً وستركزي فقط على آخر عبارة. تقولين في نفسك أووه الخامس عشر من اكتوبر!. صحيح يا مريم، هو يوم ميلادي. هذا التاريخ الذي لم تنسيه في حياتك. هل نسيتيه هذا العام يا عزيزتي؟. على غير العادة في هذا اليوم تناولت فطوري باكراً، وتوجهت الى العمل، فور وصولي تلقيت اتصال من أحدهم. “آلو.. مرحبا بهاء كل عام وانت بخير لعيد ميلادك. والبقية بحياتك عمك توفى!”. ها؟ عمي توفى؟ وانت بألف خير حبيبي. أجبت. تخيلي هذه العبارة كيف قالها. تخيلي ماذا أجبت أنا!. لماذا؟ أنتِ أجيبي ما معنى الموت؟. دائماً ما كنت أقول لكِ بأني أكره اكتوبر. أنا مؤمن تماماً يا مريم كإيماني مثلاً بأنك سترسلين لي ذات يوم هدية قيّمة ربما تكون كتاب جيد ملفوف بقطعة من ملابسك الداخلية بأن هنالك شهر في العام خصصه الله لأن يحدث فيه كل الأشياء السيئة لأي إنسان. وأؤمن أيضاً بأن هذا الشهر خلق الله فيه كل الأمراض التي لم يكتشفها العلماء بعد, أحد هذه الامراض يمكن أن نسميه سوياً يا مريم “حُمى البعاد الهاجع في أطراف النهار”. مُتأكد تماماً بأني اعاني منه في اكتوبر من كل عام. في أيام هذا الشهر يا عزيزتي يُصيبني أرق شديد وصداع أقضى لأجله أكثر من ثلثي الشهر اتناول أدوية موجودة في الثلاجة منذ شهور طويلة لا اعلن ان كانت صالحة ام لا. تقول وفاء بأنها تشفيني. أثق بوفاء جداً يا مريم، لا تقلقي. وحينها تزداد شراهتي للتدخين. لا يدخل الدخان الى رئتي فحسب بل إلى كل جسدي. يفعل ما يحلو له ثم يخرج مندفعاً مرة وبشكل بطيء وممل مرة أخرى. في هذه اللحظة تساورني أشياء غريبة، تشبه لحظة لقاء وليفين فرقت بينهم الدنيا والتقيا بعد فترة طويلة. هل شعرتي بهذا الشيء من قبل يا مريم؟ لما يا حبيبتي؟. أدرك تماماً يا مريم بأنك تقرأين هذه الرسائل وأتفهم سبب تأخرك في الرد. لكن لا تحزني كل هذا سينتهي قريباً. أنتِ منذ أكتوبر السيء الذي خلقني الله فيه تخطُرين ببالي. وها انا انتظرت نهاية لأكتب لكِ يا عزيزتي. قبل أن أنسى يا مريم، تحدثت مصادفة اول أمس مع إحدى صديقاتك. أعرف ان هذا لا يعجبك. فقط أردت ان أسألها حول الإسوارة التي التي إختفت من يدك اليسرى. قالت أنها لا تعلم. أخبرتني بانها تنتظر مولودها الأول. هنأتها بهذا عسى ان تكوني فعتلي هذا أيضاً. سأنهي بعض الأمور المتراكمة علي قبل أن أنام. تصبحين على خير حبيبتي.

صندوق بريد: رسائل الى مريم 1

11 أكتوبر 2014

10576900_807386925968474_6043715761106058577_n (1)

العزيزة الطيبة مريم. مر الوقت ثقيلاً حتى حل هذا المساء، انتظرت كثيراً لعل شيء جيد يحصل لأخبرك عنه. لا شيء حدث. المسلمون في أنحاء العالم يحتفلون بعيد الأضحى. وأنا أحتفل بألم شديد في صدري. وفاء أخبرتني ربما تكون “لفحة هوا”. كوني خرجت اليوم صباحاً بعد استحمامي بالماء البارد. لماذا الماء البارد؟ لا أعلم. تذكرين ذات مرة عندما أخبرتني ان النساء دائماً ما يصلون في سرهم من أجل أحبائهم؟ هل نسيتِ صلاة الأحبة؟. وإلا لماذا كل هذا الألم؟. لست أقول هذا لكي تحزني عليّ. أكتب لكِ لأقول بأن حياتي أصبحت رتيبة، رتيبة الى حد الملل. أصبحت إنسان مثل ملايين البشر. أخرج في الصباح إلى العمل. أعود في وقت متأخر لأتناول القليل من الطعام وأستمع الى بعض الموسيقى وأنام لأستيقظ في الرابعة فجراً. هو الوقت المناسب للإستيقاظ. وقت تقليد القطط لصوت الذئاب في الشارع. ينكسر به الصمت المُنتشر. أو استيقاظ الذاكرة المختزنة. أفكر في الناس من حولي، الطيبون في الغالب. وكيف معهم أشعر بأن الحياة مملة. أتذكر ذلك الشتاء الجميل الذي مرّ قبل 6 سنوات. وسعينا قبل عام للخلاص. أفكر في كل هذا وأنا احدق في الكمبيوتر المفتوح على بعض المواقع، وأنسى بأني أستمع لسيد درويش بصوت مرتفع ربما يوقظ من هُم خارج الغرفة. أتسائل كيف لي أن احب هذا الصوت الأقرب الى النشاز. بربك يا مريم كيف نطرب عليه؟. أنظر الى كوب القهوة بإهتمام أطفئ به السيجارة وأنتظر أمر ما ليحدث، لا شيء يحدث. أفكر في الكتابة عن أي شيء. لا أستطيع. أستمع لما تيسر من سور القرآن على مقام النهاوند بصوت مولانا محمد عمران لعلي أرتاح. ينتابني شعور غريب بأني اصبحت افقد بعض مواهبي. هل إبتعادي عن الكتابة والقراءة أصبح أمر مربك الى هذا الحد يا مريم؟. أعرف بأن لا شيء مهم هنا يا مريم. حاولت قبل ثلاثة أشهر أن أكتب رسالة مُعايدة بمناسبة عيد ميلادك. نعم فشلت، لم أستطع الخروج من أولها. قبل أن أنسى، مرت سنة يا مريم. أكتوبر هو ذكرى أليمة ذكرى سقوط صرح الخيال. فقط كوني بخير إلى أن أكتب لكِ مرة أخرى. إن إستطعت.