صندوق بريد: رسائل الى مريم 2

7 نوفمبر 2014

10576900_807386925968474_6043715761106058577_n (1)

توفي شقيق والدي الأكبر إسماعيل في الخامس عشر من أكتوبر يا مريم. وحتى أكون صادق تماماً كما عاهدتني يا حبيبتي أقول بأني لم أحزن كثيراً. كانت آخر زيارة له الى بلادنا قبل أكثر من عشرة أعوام. هكذا قيل لي عندما سألت عن آخر زياراته. ولكونك تعلمين بأن ربنا الذي في السماء أنعم علي بالنسيان لا أذكر أي من تفاصيل تلك الزيارات. تذكرين عندما ماتت جدتك يا عزيزتي قبل عامين كُنتِ تبكين بشدة. نعم، أتذكر كلامي الذي لم يعجبك آنذاك، قلت لما تبكين! عزرائيل الآن يعمل في كل بقاع الأرض والموتى في هذه اللحظة كطوابير النمل، وبكائك لن يعيدها لعجوز مرة أخرى. مشهد البكاء ما بعد الموت عبثي يا مريم. تماماً كمشهد الجنازة. أخبريني ما جدوى الحزن؟. أخبرني أحدهم ان لحظة الموت هي التجربة الأجمل في حياة الإنسان. هل تصدقين ذلك؟ هذه حقيقة. وفاء في هذا اليوم كانت تُهيء نفسها لتصنع كعكة لتنتظرني مساءاً بعد العودة من العمل للإحتفال. أعلم انك لن تعيري أي اهتمام لما كُتب آنفاً وستركزي فقط على آخر عبارة. تقولين في نفسك أووه الخامس عشر من اكتوبر!. صحيح يا مريم، هو يوم ميلادي. هذا التاريخ الذي لم تنسيه في حياتك. هل نسيتيه هذا العام يا عزيزتي؟. على غير العادة في هذا اليوم تناولت فطوري باكراً، وتوجهت الى العمل، فور وصولي تلقيت اتصال من أحدهم. “آلو.. مرحبا بهاء كل عام وانت بخير لعيد ميلادك. والبقية بحياتك عمك توفى!”. ها؟ عمي توفى؟ وانت بألف خير حبيبي. أجبت. تخيلي هذه العبارة كيف قالها. تخيلي ماذا أجبت أنا!. لماذا؟ أنتِ أجيبي ما معنى الموت؟. دائماً ما كنت أقول لكِ بأني أكره اكتوبر. أنا مؤمن تماماً يا مريم كإيماني مثلاً بأنك سترسلين لي ذات يوم هدية قيّمة ربما تكون كتاب جيد ملفوف بقطعة من ملابسك الداخلية بأن هنالك شهر في العام خصصه الله لأن يحدث فيه كل الأشياء السيئة لأي إنسان. وأؤمن أيضاً بأن هذا الشهر خلق الله فيه كل الأمراض التي لم يكتشفها العلماء بعد, أحد هذه الامراض يمكن أن نسميه سوياً يا مريم “حُمى البعاد الهاجع في أطراف النهار”. مُتأكد تماماً بأني اعاني منه في اكتوبر من كل عام. في أيام هذا الشهر يا عزيزتي يُصيبني أرق شديد وصداع أقضى لأجله أكثر من ثلثي الشهر اتناول أدوية موجودة في الثلاجة منذ شهور طويلة لا اعلن ان كانت صالحة ام لا. تقول وفاء بأنها تشفيني. أثق بوفاء جداً يا مريم، لا تقلقي. وحينها تزداد شراهتي للتدخين. لا يدخل الدخان الى رئتي فحسب بل إلى كل جسدي. يفعل ما يحلو له ثم يخرج مندفعاً مرة وبشكل بطيء وممل مرة أخرى. في هذه اللحظة تساورني أشياء غريبة، تشبه لحظة لقاء وليفين فرقت بينهم الدنيا والتقيا بعد فترة طويلة. هل شعرتي بهذا الشيء من قبل يا مريم؟ لما يا حبيبتي؟. أدرك تماماً يا مريم بأنك تقرأين هذه الرسائل وأتفهم سبب تأخرك في الرد. لكن لا تحزني كل هذا سينتهي قريباً. أنتِ منذ أكتوبر السيء الذي خلقني الله فيه تخطُرين ببالي. وها انا انتظرت نهاية لأكتب لكِ يا عزيزتي. قبل أن أنسى يا مريم، تحدثت مصادفة اول أمس مع إحدى صديقاتك. أعرف ان هذا لا يعجبك. فقط أردت ان أسألها حول الإسوارة التي التي إختفت من يدك اليسرى. قالت أنها لا تعلم. أخبرتني بانها تنتظر مولودها الأول. هنأتها بهذا عسى ان تكوني فعتلي هذا أيضاً. سأنهي بعض الأمور المتراكمة علي قبل أن أنام. تصبحين على خير حبيبتي.

Advertisements

صندوق بريد: رسائل الى مريم 1

11 أكتوبر 2014

10576900_807386925968474_6043715761106058577_n (1)

العزيزة الطيبة مريم. مر الوقت ثقيلاً حتى حل هذا المساء، انتظرت كثيراً لعل شيء جيد يحصل لأخبرك عنه. لا شيء حدث. المسلمون في أنحاء العالم يحتفلون بعيد الأضحى. وأنا أحتفل بألم شديد في صدري. وفاء أخبرتني ربما تكون “لفحة هوا”. كوني خرجت اليوم صباحاً بعد استحمامي بالماء البارد. لماذا الماء البارد؟ لا أعلم. تذكرين ذات مرة عندما أخبرتني ان النساء دائماً ما يصلون في سرهم من أجل أحبائهم؟ هل نسيتِ صلاة الأحبة؟. وإلا لماذا كل هذا الألم؟. لست أقول هذا لكي تحزني عليّ. أكتب لكِ لأقول بأن حياتي أصبحت رتيبة، رتيبة الى حد الملل. أصبحت إنسان مثل ملايين البشر. أخرج في الصباح إلى العمل. أعود في وقت متأخر لأتناول القليل من الطعام وأستمع الى بعض الموسيقى وأنام لأستيقظ في الرابعة فجراً. هو الوقت المناسب للإستيقاظ. وقت تقليد القطط لصوت الذئاب في الشارع. ينكسر به الصمت المُنتشر. أو استيقاظ الذاكرة المختزنة. أفكر في الناس من حولي، الطيبون في الغالب. وكيف معهم أشعر بأن الحياة مملة. أتذكر ذلك الشتاء الجميل الذي مرّ قبل 6 سنوات. وسعينا قبل عام للخلاص. أفكر في كل هذا وأنا احدق في الكمبيوتر المفتوح على بعض المواقع، وأنسى بأني أستمع لسيد درويش بصوت مرتفع ربما يوقظ من هُم خارج الغرفة. أتسائل كيف لي أن احب هذا الصوت الأقرب الى النشاز. بربك يا مريم كيف نطرب عليه؟. أنظر الى كوب القهوة بإهتمام أطفئ به السيجارة وأنتظر أمر ما ليحدث، لا شيء يحدث. أفكر في الكتابة عن أي شيء. لا أستطيع. أستمع لما تيسر من سور القرآن على مقام النهاوند بصوت مولانا محمد عمران لعلي أرتاح. ينتابني شعور غريب بأني اصبحت افقد بعض مواهبي. هل إبتعادي عن الكتابة والقراءة أصبح أمر مربك الى هذا الحد يا مريم؟. أعرف بأن لا شيء مهم هنا يا مريم. حاولت قبل ثلاثة أشهر أن أكتب رسالة مُعايدة بمناسبة عيد ميلادك. نعم فشلت، لم أستطع الخروج من أولها. قبل أن أنسى، مرت سنة يا مريم. أكتوبر هو ذكرى أليمة ذكرى سقوط صرح الخيال. فقط كوني بخير إلى أن أكتب لكِ مرة أخرى. إن إستطعت.

كُتبنا التي خلقت داعش

11 أكتوبر 2014

ذات مرة. وتحديداً في عام 2008. نَشر أحدهم رسومات مُسيئة للإسلام، وصور الإسلام آنذاك على أنه دين يحض على العُنف، وأفراده يُمارسون “الإرهاب” سواء من خلال القتل والإعدامات، او التصريحات التي تدعوا الى الكراهية. إنتفض العالم الإسلامي آنذاك إحتجاجاً، من جاكرتا حتى الرباط. وبشكل فعلي صاحب هذه الإحتجاجات أعمال عُنف وشغب طالت تدمير وإحراق العديد من المؤسسات التابعة للغرب، حتى الكنائس حُرقت في ذلك الوقت. رُبما يقول البعض بأن هذا جاء بدافع الغيرة على الإسلام، أنه دين محبة وليس كما صُور في تلك الرسومات على أنه دين عنف وكراهية. اليوم، وبعد 6 سنوات. بُعث الى دُنيانا جماعة من “الأوباش” تبنت ذلك التصور. التصور الذي انتفض المسلمون وأقاموا ضده المسيرات والمؤتمرات حول العالم. وتبنت هذه الجماعة الإسلام الذي صُور على أنه.. دين العُنف، والكراهية، والحقد، والإرهاب، والقتل على أساس العرق والدين واللون والمزاجية. ولكن، ويا للمفارقة لم تنتفض أي من الدول ما بين الرباط وجاكرتا مجدداً. بل أن حجم الرفض لهذه الجماعة  في العالم الإسلامي أجمع كان خجولاً ولا يتعدى بعض التصريحات من قبل مسؤولين.

بشكل فعلي. يٌمكن إعتبار داعش عُصارة كل الحركات الجهادية السلفية التي بحثت وحاولت مُجتهدة لإقامة دولة الخلافة المفقودة. أو يمكن إعتبارها أكثرهم نجاحاً في المضي قُدما نحو هذا الطريق. ونجاحها هذا يُحسب لكونها وبشكل حقيقي إستطاعت على الأقل -حتى الآن- إقامة دولة خلافة في مناطق شاسعة لا تبعد كيلومترات قليلة عن ديار الحجاز. لماذا ديار الحجاز؟. مناطق شاسعة تًعادل مساحتها مجموعة من الدول الصغيرة. رُبما نجاح داعش هذا الذي فشلت فيه كل حركات السلفية الجهادية من قبل، حتى أكبرهم “طالبان والقاعدة” يُحسب لكونهم أقاموا دولة الخلافة في المنطقة التي  “نبت” فيها الإسلام قديماً. بالإضافة لكون من خلق هذا التنظيم ليسوا أُناس سلفيين أو جهاديين عاديين، بل بالمعنى الحقيقي هُم “خُبراء” أصوليين، تخرجوا من السُجون العراقية التي كانت لهم بمثابة أكاديميات وجامعات تعلموا وثقفوا التطرف فيها حتى لحاهُم. وما زاد نجاحهم. كون مُعظمهم عسكريون يتبعون لُعهدة النظام العراقي السابق وسُجناء لدى نظام المالكي سابقاً.

لم تُحقق داعش هذا النصر والتقدم العظيم والإنتشار فقط من خلال ما ذُكر آنفاً. ليس فقط من خلال ما وُفِرَ لها في أكاديميات التطرف. أو لسبب ظروف البلدان الامنية التي تتوسع فيها الآن. بل هنالك عامل آخر أكثر من كل هذا أهمية. ولأن تنظيم الدولة نبت في “أرض العرب” كان هذا جميعه نتيجة منهاج التربية الإسلامية الذي يُدرس في مدراسنا من الصفوف الأولى حتى صفوف الرُشد. حيث يُشكل منهاج التربية الإسلامية في المدارس “وفي أرضنا المُقدسة أيضاً” بنية خصبة لخلق الإنسان الداعشي. فمن يتعمق في منهاجنا الدراسي هذا، يرى فيه آلية واضحة لخلق التطرف وبناء الإنسان الداعشي. بدايةً من تلك الرسومات التي توضع في الكُتب لأطفال الإبتدائي، وصولاً لعيقدة “الولاء والبراء” والنُظم الإقتصادية الإسلامية الوهمية التي تُدرس لصفوف الثانوية العامة. إن تعمق الطالب الدارس لهذا المنهاج وتعامله مع هذه المادة كوسيلة علم حقيقية ودراستها بايمان من المؤكد ستصنع منه انسان متطرف لا يختلف كثيراً عن الدواعش في العراق وسوريا.

يُمكن القول بأن داعش تُشكل الآن تحدي لجميع الحركات السلفية الجهادية حول العالم. حتى أبعد من ذلك، أجزم بأن العديد من الحركات السلفية تتمنى بأن لا تتوسع داعش أكثر مما هي عليه الآن. كون داعش بعظمتها وتوسعها وعتادها، تُشكل بالنسبة لهم “إنتهاء الحُلم” حول إنطلاقتهم نحو مجد جديد للبحث عن الخلافة مجدداً.  فالسلفية الجهادية مُستقبلاً إن أرادت أن تنطلق في مرحلة ما. مرحلة ما بعد داعش. سيكون أمامها تحدي كبير قبل ان تخطو خطوتها الأولى، فهذا سيحتم عليهم القفز بخطوة أكبر من تلك التي قفزتها داعش. وبتوسع أكبر من تلك المساحة. وإن إختارت داعش ان تنطلق بدولتها من منطقة منبت الاسلام والتي لا تبعد سوى كيلومترات قليلة عن مكة المكرمة. سيُحتم على أي سلفي جديد ان يُفكر بأن ينطلق مما انتهت منه داعش. ولكن ليس في العراق والشام بل من مكة نفسها، وهذا التحدي الأكبر. الى ذلك الحين نحن فخورون بأننا ندرس التربية الإسلامية في مدارسنا من أجل العلامة فقط، وفخورون بأننا بعيدين كُل البعد عن كتابات البخاري ووالولاء لإبن تيمية.

عن الوجوه الجديدة التي ستخبئ في جيوبنا.

18 سبتمبر 2014

في 10 مارس 2011. كتب الصحفي الاسرائيلي في صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية  “نداف شيمر” تقريراً أشار فيه بأن إسرائيل تتجه نحو إستبدال صور الساسة الإسرائيليين المتواجدين على عملتها النقدية بصور أخرى بحلول نهاية عام 2014. وقال بأن هنالك إتجاه باستبدال الساسة الحاليين بآخرين شعراء وأدباء. ووصفهم –شيمر-  بـ “عظماء الشعر العبري”. وذكر بأن هؤلاء الشعراء هم “نياثان الترمان، شاؤول تشرنحوفسكي، راشيل بلوستاين الشهيرة بـ “راحيل”، وليا جولدبيرغ”.

الأحد الماضي. نشر البنك المركزي الإسرائيلي رسمياً صورة للعملة الاسرائيلية الجديدة من فئة “50 شيكل” والتي ستطرح في السوق نهاية العام الجاري. وفعلاً وكما أشار نداف قبل 3 اعوام في تقريره. إحتوت العملة على صورة شاعر إسرائيلي وهو “شاؤول تشرنحوفسكي”. بصدق. لم أبدى أي قدر من الإهتمام للتقارير والمقابلات الإعلامية –خصوصاً تلك الفلسطينية- حول هذه الاوراق الجديدة. لا شكلاً ولا حتى لوناً ولا حول إمكانية تزويرها وإحتوائها على خاصية تُمكن فاقدي البصر من تحديد فئتها. فقط إهتمامي كان منصب حول معرفة من هم هؤلاء الشخوص. فمن هم هؤلاء؟.

يُعد نياثان الترمان المولود في وارسو البولندية عام 1910. والمُهاجر إلى فلسطين في عُمر الخامسة عشر. من أعظم شعراء وأدباء إسرائيل في العهد الجديد. الترمان الذي درس الهندسة الزراعية في فرنسا عمل في الصحف العبرية الكُبرى. هأرتس، ومعاريف. وكان له عمود أسبوعي ثابت في صحيفة “دافار” إشتهر به وكان من خلاله ينقد المجتمع بطريقة ساخرة وهزلية قبل ان تنتهي حياته في 1970. مُخلفاً مجموعة من الأشعار ومسرحيتين. وترجمات لكُتب كلاسيكية اوروبية من الإنجليزية للعبرية. ألترمان ستظهر صورته على العملة الاسرائيلية فئة الـ 200 شيكل. ليحل مكان ثالث رؤساء إسرائيل “زلمان شازار”.

أما شاؤول تشرنحوفسكي. شاعر اسرائيلي وُلد في روسيا عام 1875. ويُعد أحد أقطاب الادب العبري فيها بالإضافة الى شاعر آخر. تأثر تشرنحوفسكي بالأدب العبري في وقت مُبكر من عمره، حيث كان يبلغ فقط الرابعة عشر من عمره.  وعندما بلغ الثالثة والعشرون نُشر له أول ديوان شعري بعنوان “نبوءات واحلام”. أنهى شاؤول دراسة الطب في لوزان بسويسرا. بعدما بدأها في مدينة هايدلبرج الألمانية. هاجر الى فلسطين عام 1931. وساهم في نشر الدعاية الصهيونية بشكل واضح من خلال أشعاره. كما طالب بأن يكون ليهود إسرائيل قومية مغايرة لتلك التي يتمتع بها يهود المنفى. رحل شاؤول عام 1943. مخلفاً مجموعة كبيرة من القصائد والترجمات العبرية. من ضمن القصائد التي خلفها تشرنحوفسكي قصيدة “إني أؤمن” والتي ستظهر اقتباسات منها بجانب صورته على العملة الاسرائيلية من فئة 50 شيكل. والتي يقول فيها” سأؤمن بالمستقبل، حتى ولو كان ذاك بعيداً، لَكِنَّهُ آتٍ، وسيحلُ السّلامُ وستحلُّ البركة  بين الشُّعوبِ”. تخيل يا رعاك الله. تخيل ماذا سيُكتب في جيوبنا!.

ولـ “راشيل بلوستاين” جانب هذا أيضاً. فهي شاعرة يهودية وُلدت في الإمبراطورية الروسية عام 1890. حفيدة لحاخام الطائفة اليهودية في كييف. وهاجرت الى فلسطين عندما بَلغت التاسعة عشرة من عُمرها. في فلسطين إستقرت في كيبوتس “دغانيا” الذي أُقيم على أراضي طبريا. ويُذكر أنها دخلت في علاقة حُب مع ثالث رؤساء إسرائيل “زلمان شازار” الذي تتربع صورته على العملة الحمراء فئة 200 شيكل.  الذي كان شاعراً أيضاً. رحلت راشيل في عام 1931. لتترك ورائها أشعاراً لا تزال الأكثر مبيعا حتى يومنا هذا في إسرائيل. راشيل. أو راحيل كما تسمى في إسرائيل ستظهر لنا على العملة النقدية فئة 20 شيكل.

“ليا جولدبيرغ” أيضاً شاعرة يهودية. ولدت في كنيغسبرغ “كالينينغراد حالياً” عام 1911. هاجرت جولدبيرغ الى فلسطين عام 1935. لتعمل محررة إخبارية في صحيفتي مشمار ودافار العبريتين. رحلت ليا عام 1975 في القدس. مُخلفة إرثاً شعرياً كبيراً. ونصوصص أدبية وترجمات عديدة. وتعتبر كتابات جولدبيرغ كلاسيكيات الأدب الإسرائيلي اليوم. جولدبيرغ ستظهر على صورة العملة الاسرائيلية من فئة 100 شيكل.

هؤلاء الأشخاص هم  الذين سنحمل صورهم في جيوبنا نهاية هذا العام. ونخبئها في جوارير بيوتنا ونودعها في حساباتنا البنكية. ونشتري بها طعام أطفالنا. ونعيدهم بها في أعيادنا. هؤلاء الأشخاص الذين ستقوم بعض النساء بوضع صورهم في ستياناتهم.

سيادة القانون.. قانون السيادة!

4 يونيو 2014

صورة

على مدى السنوات والشهور “المنصرفة” الماضية. كان هنالك إرتفاع رهيب في إعتداءات المستوطنين على منازل وممتلكات ومزارع  المواطنين في الضفة الغربية المُحتلة. شهر أيار/ مايو. كانت الاعتداءات مكلفة جداً للفلسطينيين. فبعيداً عن موضوع استشهاد 3 فلسطينيين و إصابة 15 آخرين بالرصاص الحي من قبل جنود الإحتلال الإسرائيلي في مناطق مختلفة من الضفة الغربية. كان هنالك أكثر من 40 إعتداء ممنهج من قبل قطعان المستوطين، طالت مختلف مناطق الضفة، حتى تلك التي تخضع لسيطرة السلطة الأمنية. وهذا هو “العدد الطبيعي”. ولكن تختلف تكاليف هذه الاعتداءات شهرياً. ففي آيار الماضي مثلاً، صاحب الإعتداءات هذه عملية خطف طفلاً من قرية التواني شرق يطا في محافظة الخليل. وهذا غير مألوف في باقي الأشهر. الاعتداءات الأخرى تتمحور حول: (حرق منازل المواطنين/ تقطيع اشجار/ تكسير سيارات/ ضرب اطفال/ قتل مواشي/ رشق حجارة وزجاجات حارقة على السيارات/ ضرب حجارة على المارة … الخ). هذه الإعتداءات جميعها ستستمر من قبل المستوطنين. ولن تتوقف، عدد الإعتداءات التي تم توثيقها العام الماضي 2013. كانت ضعف ما تم توثيقه في عام 2012. وتقرير نهاية العام الحالي سيدون رقم قياسي.

في سياق آخر ليس منفصل. وفي نفس المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية الأمنية، وعلى سبيل المثال لا الحصر ما حصل قبل يومين في نابلس. مجموعة من الشبان غاضبون بسبب تدنى مستوى المعيشة وإرتفاع نسب البطالة والقهر والضغط الممارس عليهم وسياسة الإعتقالات التي تطالهم بدون وجه حق من قبل الأجهزة الأمنية الفلسطينية. يحرقون عجل كاوتشوك في الشارع. يتم التعامل معهم بصورة عجيبة. في غضون نصف ساعة تكون الأجهزة الامنية جاهزة للإشتباك معهم، وقمعهم وإعتقال العشرات منهم بحجة الإعتداء على ممتلكات عامة وترويع المواطنين. ولا تتردد الأجهزة الأمنية في إستخدام أساليب قمعية مثل إستخدام الغاز والرصاص المطاطي. والضرب بالهروات. هذا لا يحدث فقط في نابلس. يحدث كثيراً في المخيمات الفلسطينية.

البعض سيقول لي الآن. وكيف السلطة ستحافظ على سيادة القانون اذا لم تمنع هؤلاء الشبان من حرق الاطارات في الشارع؟. وكأن السلطة تمتلك سيادة أو حتى قانون ليتم تطبيقه. واهم من يعتقد أننا كفلسطينيين نعيش في دولة لديها سيادة وقانون. على مدى سنوات خَلَت كان سلام فياض ومن هو بعده يخرج ليحدثنا أن الاجهزة الأمنية تتعامل مع هذه الحالات لتطبق ما يسمى بسيادة القانون. والكثير من الناس يتساوق مع ما يُنشر. ويتناسى الناس أنفسهم أن هذا ما يتم التسويق له كان سبباً في إعتقال العشرات من المناضلين. العشرات من الشبان يتم إعتقالهم في كل إشتباك بين الأجهزة الأمنية وأبناء المخيمات الفلسطينية.

الجميع يتذكر ما حصل في سجن أريحا في مارس 2006. قبل أن تقتحمه إسرائيل وتعتقل من فيه. كان يتواجد في السجن العشرات من المناضلين الفلسطينيين. كان تواجدهم هناك بحجة تطبيق سيادة القانون. تطبيق السيادة في مناطق تابعة أمنياً وإدارياً للسلطة. وفي نفس الوقت تكون هنالك اعتداءات وإنتهاكات اسرائيلية فيها. هل يستطيع أن يتجول أحدكم خارج حدود مدينته دون أن يمر عبر حاجز إسرائيلي؟. هل يستطيع أن يتنقل مسؤول فلسطيني في الاجهزة الامنية التي تدعي تطبيق سيادة القانون من منطقة تابعة لسيطرته الى منطقة أخرى تابعة لسيطرته أمنياً أيضاً دون أن يتم تفتيشه؟ أين هي السيادة إذاً؟.

طالما المستوطن يقوم بقطع عدد 20 شجرة من أراضي المواطنين في ساعة دون أن يردعه أحد، سيقطع 50 شجرة المرة القادمة في ساعتين أو حتى ثلاثة. وستكون نفس النتيجة. لن يكون هنالك رادع ليتوقف عن فعلته. وطالما لا يوجد رادع فهو سيستمر. سيستمر في هذا الى ما لا نهاية. العام الماضي سجل رقماً مضاعفاً عن العام الذي سبقه. والعام الحالي سيسجل رقماً آخر. قبل أن تحدثني أنك تطبق القانون لتحمي سيادة الأجزاء المنفصلة من دولتك. عليك أن تحمي “سيادة أراضيك” من الذين ينتهكونها يومياً. عليك أن تحميها من الذين يعتدون على مواطني “دولتك السيادية”. ماذا تفعل الأجهزة الامنية عندما يقتحم قطعان المستوطنين منطقة ما لحرق المنازل والسيارات فيها؟. ساعات من حصار المنازل وحرق ممتلكاتهم. والنتيجة لا يوجد من يحرك ساكناً. في المقابل يكون التحرك سريعاً اذا ما إعتدى أحد الشبان الفلسطينيين على مستوطن هاجم منزله. ومن ثم قام بإحتجازه. تحرك سريعاً لمنع اعتداءات قطعان المستوطنين كما تتحرك في باقي الأمور. وقدم الحماية لأبناء شعبك يا رعاك الله. أو لا تعتقل من يطلق النار على مستوطن هاجم منزله ليقتله وتأتي لتحدثني عن سيادة القانون يا روح إمك.

عن دار الإذاعة الفلسطينية “هنا القدس” | صور من الإذاعة ما قبل 1948.

21 أبريل 2014
لحظة تدشين وإفتتاح اول إذاعة فلسطينية "هنا القدس" في مدينة القدس. ويظهر في الصورة مدير المستعمرات البريطانية في فلسطين. الصورة بتاريخ 30 مارس 1936. ارشيف الباحث الفلسطيني أحمد مروات

لحظة تدشين وإفتتاح اول إذاعة فلسطينية “هنا القدس” في مدينة القدس. ويظهر في الصورة مدير المستعمرات البريطانية في فلسطين. الصورة بتاريخ 30 مارس 1936. ارشيف الباحث الفلسطيني أحمد مروات

يقول الأديب والمربي  الفلسطيني المرحوم خليل السكاكيني في رسالة إلى ولده سريّ الذي كان يقيم في أمريكا، وهي مؤرخة بتاريخ 31/3/1936. “كان أمس موعد افتتاح الراديو في فلسطين والظن كل الظن أنكم لم تسمعوا شيئاً لاختلاف الوقت بيننا وبينكم. ومن حسن حظكم أنكم لم تسمعوا شيئاً. أما الموسيقى فتافهة، وأما الغناء فمن الدرجة المئة فنازلاً، ومع ذلك قلنا لا بأس، كل شيء في أوله لابد أن يكون ضعيفاً. ولكن الذي أثار الغضب، غضب الناس، ما كان يتكرر في الترجمة العبرية من تسمية فلسطين بأرض إسرائيل. إذا كانت فلسطين أرض إسرائيل فنحن العرب دخلاء ثقلاء وليس لنا إلا الرحيل. إنها لقحة عظيمة لا تستسيغها النفوس. واليوم صباحاً أخذت التلفون وطلبت مدير القسم العربي في الإذاعة الوليدة وقلت له: “لقد قررت بعد أن سمعت كلمة “أرض إسرائيل” أن أقاطع الإذاعة الفلسطينية فاشطب اسمي”.

صورة

مدير المستعمرات البريطانية في فلسطين يلقي خطاب في لحظة تدشين وإفتتاح اول إذاعة فلسطينية “هنا القدس” في مدينة القدس. الصورة بتاريخ 30 مارس 1936. ارشيف الباحث الفلسطيني أحمد مروات

كان قدر ذكر السكاكيني لسري في إحدى الرسائل أيضاً أن جورج بيك انطونيوس. مدير محطة الإذاعة البريطانية في فلسطين قد زاره لكي يقوم بترشيح مديراً للقسم العربي في الإذاعة البريطانية كونه خبيراً بأبناء البلاد. وبعدها بفترة قصيرة دُعي الى مكتب مدير المعارف الإنجليزي وأخبره بأنه قام بترشحيه لتولي منصب مدير الإذاعة العربية. إلا أن السكاكيني طلب منه ان يتولى الصحفي الفلسطيني عادل جبر (1885-1953م) صاحب جريدة الحياة المقدسية إدارة القسم العربي. وبعد أيام قليلة دُعي السكاكيني برفقة عادل جبر وإبن مدينة نابلس رفيق التميمي (1889-1956) والذي كان يشغل مدير الهيئة العربية العليا في القدس. إلا أنهم جميعاً لم يوافقوا  على شروط لجنة الإذاعة لتعيين أحدهم مديراً للقسم العربي للإذاعة الفلسطينية فوقع الاختيار بعد ذلك على الشاعر الفلسطيني ابراهيم عبد الفتاح طوقان (1905- 1941) وكانت لجنة الإذاعة قد قابلته في أواخر عام ١٩٣٥.

طاقم دار الإذاعة الفلسطينية "هنا القدس" في فترة إدارة ابراهيم طوقان للإذاعة. ويظهر في الصورة سامية عبد الهادي مقدمة اخبار ويحيى اللبابيدي وسميث اندروود مهندس الصوت وابراهيم الجعفري ورامز الزتغة. كما ويظهر ابراهيم طوقان وهو يلبس الحطة البيضاء وتظهر عليه علامات المرض - الصورة من أرشيف الباحث الفلسطيني "أحمد مروات"

طاقم دار الإذاعة الفلسطينية “هنا القدس” في فترة إدارة ابراهيم طوقان للإذاعة. ويظهر في الصورة سامية عبد الهادي مقدمة اخبار ويحيى اللبابيدي وسميث اندروود مهندس الصوت وابراهيم الجعفري ورامز الزتغة. كما ويظهر ابراهيم طوقان وهو يلبس الحطة البيضاء وتظهر عليه علامات المرض – الصورة من أرشيف الباحث الفلسطيني “أحمد مروات”

لم تتجاوز إدارة طوقان للإذاعة أكثر من أربع سنوات. حيث أقالته السلطات الإنجليزية من وظيفة كمديراً للقسم العربي في الإذاعة الفلسطينية بعدما كتب قصيدة فيها تعريضاً شديداً بأحوال دينية معينة وبأشخاص كانت تحتضنهم السلطة الانكليزية ذكرهم طوقان بأسمائهم. وحرص إبراهيم على ألا تحمل هذه القصيدة قرائن مادية تكشف عن شخصيته فنسخها على الآلة الكاتبة ولكنه ترك نسخة منها في درج مكتبه بدائرة الإذاعة، ويبدو أن بعض خصومه في الإذاعة عرف بأمر القصيدة وعرف بأمر النسخة التي في درج مكتبه فدل عليها رؤساءه وتم اقالته في عام 1940.

صورة

صورة لأول مهندس صوت عمل في دار الإذاعة الفلسطينية “هنا القدس” في مدينة القدس. وكان قد استشهد في مبنى الاذاعة على يد العصابات الصهيونية. ارشيف الباحث أحمد مروات

بعد إقالة طوقان. شغرت وظيفة مدير القسم العربي في الإذاعة. وراحت  الحكومة الانكليزية تفتش عن بديل يتولى إدارة هذا القسم فوقع اختيارها على الأستاذ المؤرخ والكاتب والأديب اللبناني عجاج نويهض (١٨٩٧- ١٩٨٢) والذي كانت له علاقة وثيقة بالمفتي الحاج أمين الحسيني. حيث كان له دور فعال في تأسيس “حزب الاستقلال العربي” عام 1932 الذي كانت أهدافه الرئيسة مناهضة الاحتلال البريطاني لفلسطين ومقاومة الاستيطان اليهودي. إلا ان الأديب نويهض رفض هذا المنصب. وبعد مشاورات إستمرت لأكثر من عام وافق بعدما وضع شروطاً رضخ لها الإنجليز وكانت تمس بكرامة دولة عظمى كبريطانيا آنذاك. حيث كان من ضمن هذه الشروط. أولاً: أن يكون القسم العربي مستقلاً إدارياً تمام الاستقلال بموازنته وتعيين موظفيه. ثانياً: ألا يتدخل أي عامل من جهة الحكومة في تسيير دفة العمل غير ما يتعلق بالأمور الفنية. ثالثاً: ألا يقبل يهودي مهما كان مركزه من دخول مكاتب القسم العربي إلا الموسيقار المغني العراقي المشهور آنذاك “عازوري”. وهو يھودي عراقي كان يغني الأغاني العربية ويتعاطف مع العرب.

صورة

الفرقة الموسيقية لدار الإذاعة الفلسطينية “هنا القدس” تظهر امام الميكروفون المطربة الفلسطينية ماري عكاوي والفنان الاردني لاحقا فهد نجار تعود الصورة لعام 1941. ارشيف الباحث أحمد مروات

كانت إدراة نهويض للإذاعة والتي إستمرت لمدة أربع سنوات نقلة نوعية كبيرة للإذاعة. حيث أفشل في فترة ادارته للإذاعة أهداف الانكليز في تأسيس الإذاعة الفلسطينية. والتي هدفت الحكومة البريطانية من تأسيسها الى إعاقة الجهود العربية للدفاع عن فلسطين، وإظهار اليهود بأنهم شعب متحضر. وأصبحت الإذاعة آنذاك صوت الفلسطينيين وساهمت في توعية الشعب العربي الفلسطيني إلى الأخطار المحدقة به والدسائس التي كانت تحاك له في الخفاء وتذكيره بتاريخه المجيد وأبطاله الذين خاضوا المعارك والحروب ورفعوا اسم العرب عالياً. ومقاومة الإستعمار والأفكار الاستعمارية.

إستقال نويهض من منصبه في عام 1944 بعدما نقضت حكومة الإستعمار الشروط التي كان قد وضعها. وبدأت التدخلات البريطانية في تسيير العمل في الإذاعة من جديد. وفعلاً نفذ ما أخبرهم به عندما تولى المنصب حيث قال لهم:” سأفي بما أراه واجباً وأما أنتم فمتى شعرت بتغيير نياتكم فسأذهب إلى بيتي فوراً، ومن بيتي أبعث لكم تلفوناً أني استقلت”.

بعد إستقالت نويهض. أصبح الصحفي عزمي النشاشيبي مدير القسم العربي في الإذاعة. والذي كان أول فلسطيني ينال شهادة دبلوم الصحافة من لندن وكان يترأس تحرير جريدة فلسطين الناطقة  باللغة الانكليزية المملوكة للسيد “عيسى العيسى” والذي كان يملُك أيضاً صحيفة فلسطين “الصادرة بالعربية”. حيث أدار القسم العربي لمدة أربع سنوات ما بين 1944 الى ان حلت النكبة عام 1948. وكان النشاشيبي آخر مدير  في الإذاعة قبل النكبة حيث تم نقل الإذاعة إلى رام الله ما زالت مستمرة وتبث نشرتها الإخبارية الساعة الثانية ظهرا كالمعتاد.

المطربة اسمهان الاطرش في زيارة لدار الاذاعة الفلسطينية "هنا القدس" ويقوم باستقبالها مدير الاذاعة عزمي النشاشيبي في مبنى الاذاعة في شارع مأمن الله في القدس عام 1944. ارشيف الباحث أحمد مروات


المطربة اسمهان الاطرش في زيارة لدار الاذاعة الفلسطينية “هنا القدس” ويقوم باستقبالها مدير الاذاعة عزمي النشاشيبي في مبنى الاذاعة في شارع مأمن الله في القدس عام 1944. ارشيف الباحث أحمد مروات

لقد كان للأحاديث العلمية والأدبية والفنية والدينية والتاريخية دور هام في تاريخ الإذاعة الفلسطينية أي من عام ١٩٣٦ إلى عام ١٩٤٨ فإنها -أي الأحاديث- شاركت في تذكير الشعب بأبطاله العرب الميامين الذين خاضوا معارك فاصلة دفاعاً عن التراب المقدس، وكرامة الأمة العربية، وفتحت أعين الشعب إلى حقوقه المغتصبة، ونبهته إلى الأخطار المحيطة به، وساعدت المرأة العربية الفلسطينية في أن تلعب دورها الكبير في الحياة الاجتماعية والوطنية والسياسية.

 

المطرب والموسيقار اللبناني فيلمون وهبي يغني في دار الإذاعة الفلسطينية “هنا القدس” في فلسطين عام 1946. ارشيف الباحث الفلسطيني أحمد مروات

صورة

رئيس الوزارء المصري النحاس باشا في زيارة لمدينة القدس عام ويظهر في الصورة برفقة مدير الاذاعة الفلسطينية عزمي النشاشيبي ورئيس البلدية وشخصيات مقدسية أخرى. ارشيف الباحث أحمد مروات

صورة

الممثل المصري الهزلي علي الكسار والشاعر السوري والأكاديمي الكبير جلال زريق أمام مبنى دار الإذاعة الفلسطينية “هنا القدس” في شارع مأمن الله في القدس عام 1936. ارشيف الباحث أحمد مروات.

صورة

الموسيقار والمطرب اللبناني فيلمون وهبي “الثاني من اليسار” برفقة طاقم دار الإذاعة الفلسطينية “هنا القدس” في مدينة القدس عام 1944. ارشيف الباحث أحمد مروات.

صورة

جانب من الحضور لتدشين وإفتتاح اول إذاعة فلسطينية “هنا القدس” في مدينة القدس. من الجدير بالذكر ان مفتي فلسطين حضر الإفتتاح وقد شنت صحيفة “فلسطين” عليه هجمة كبيرة في اليوم التالي لإفتتاح الإذاعة. الصورة بتاريخ 30 مارس 1936. ارشيف الباحث الفلسطيني أحمد مروات

_______________________
ملاحظة: تم الإستعانة في إعداد هذه التدوينة بـ مذكرات عجاج نويهض. “ستون عاماً مع القافلة العربية”. بالإضافة الى إرشيف الباحث والمؤرخ الفلسطيني أحمد مروات. وللإستفاضة حول موضوع إذاعة “هنا القدس” يمكنكم مراجعة مذكرات عجاج نويهض الكاملة ورسائل خليل السكاكيني الى ولده سّري.

لماذا لا أذهب الى المسّجد؟ “علاقتي المُلتبسة”.

28 مارس 2014

صورة
علاقتي بالمسجد كانت وما زالت علاقة ملتبسة. بكل صراحة. لا أذكر متى كانت آخر مرة دخلت فيها المسجد. حيث كانت منذ سنوات طويلة جداً. في مرحلة دراستي الأساسية كنت أزور المسجد على الدوام. ليس بغرض الصلاة بقدر الإستفادة من المكتبة التي تعلوه. ولكن توقفت حتى عن زيارة المكتبة بعدما تكررت امامي مشاهد الإستغلال. ومشاهد الإستغباء الذي يمارس على الفتيان من القبل الشيوخ.

ذات مرّة طلب مني أمين المكتبة وهو نفسه مؤذن المسجد ومعلم الرياضة في مدرستي المشاركة في رحلة ينظمها المسجد نهاية الأسبوع. فوافقت. أذكر جيداً ذلك اليوم. حيث تم تجميع المشاركين في تلك الرحلة صباحاً. وعمل أحدهم لأكثر من ساعة على تلاوة الارشادات وما أسماه “القيم الإسلامية” المتوجب التقيد بها. كنا نقف في الشارع بإنتظار الحافلة التي ستقلنا. وكنت مستغرباً من توزيع الاعلام والرايات السوداء والخضراء على المشاركين. وكانت المصيبة بأننا سنذهب سيراً على الأقدام. والمصيبة الأكبر أنها لم تكن رحلة بقدر ما كانت نوع من الدعاية الجماهيرية تمارسها الحركة الاسلامية في تلك الفترة. العشرات من الأطفال يحملون الأعلام الخضراء والسوداء. ينطلقون من مخيم الأمعري للاجئين نحو أحد مسابح مدينة رام الله. دون أي وعي أو إدراك بما يفعلوه. جُل همهم الوصول الى مكان الرحلة. ولكنه في نفس الوقت مردوده كبير لدى الحركة الإسلامية.

بسبب صغر سني في تلك الفترة لم أعي أن هذه الرحلة ما هي الا دعاية رخيصة من قبل الحركة الاسلامية. ولكن في نفس الوقت كنت على علم ببعض أساليب الشيوخ والتي كانت تمارس على الطلبة في المدرسة. ولذلك بخبث. تعمدت أن أحمل إحدى الرايات. حيث إستخدمتها في مسح يداي ووجهي الذي كان يتصبب عرقاً من مسافة الطريق. بعدما أدركت أن القائمين على الرحلة عملوا على إختيار الطريق الاطول. وهي الإنطلاق من باب المخيم الأمامي نحو مركز المدينة ومن ثم الاتجاه نحو مسبح فُندق كازابلانكا. حيث كانت الرحلة. بالرغم ان المسافة من باب المخيم الخلفي والفندق لا تتجاوز الـ 10 دقائق مشياً على الأقدام. وبهذا تجلت معالم الرحلة الدعائية للحركة الاسلامية التي إستمرت ساعة. ويا خسارة الرحلة.

 بعد هذه الحادثة بفترة طويلة نسبياً. ذهبت مع والدي الى نفس المسجد. وهو المسجد نفسه الذي هُدم وتم إعادة بنائه “وما زال” أكثر من 10 مرات للتوسعة بشكل مباشر وللسرقة بشكل آخر. وبصدق. لم أدخل وبقيت أنتظره في الخارج. وكانت الخطبة عن افلام الكارتون وتأثيرها على الاطفال. والتحذير من مضمونها. وبعد انتهاء خطبة الجمعة وزع عَصافير الحركة الاسلامية – الأطفال التي تعتمد عليهم الحركة- على المصلين ورقة. فأعطاني إياها والدي بعدما خرج وكان يبتسم ساخراً. اذكر كل ما كتب في تلك الورقة حتى يومي هذا. حيث كانت من أغبى ما قرأت في حياتي.

عن ماذا كانت تتحدث الورقة؟. تخيل معي يا عزيزي ان أبرز شيوخ المنطقة قد إجتهد. وفسر معنى “البوكيمون”. نعم. هو ذاته البرنامج الكرتوني الشهير. وكان مضمون الورقة بأن البوكيمون ما هو إلا مؤامرة على الإسلام والمسلمين. ولم يكتفي بذلك. بل وضع تفسيرات لعشرات الأسماء من البوكيمون. والمصطلحات المستخدمة فيه. إن لم تخني الذاكرة . أوضح الشيخ أن إسم  “بيكاتشو” في المسلسل الكرتوني يُقصد به الإشارة إلا ان لا خالق في الكون. و كلمة “سكويرو” ما هي الا دعوة صريحة لعبادة الأوثان. وكانت هنالك دعوة صريحة للأباء بمنع أطفالهم من مشاهدة هذا المسلسل الكرتوني. الذي كان ذائع الصيت في بدايات ظهوره على شاشات التلفاز. تخيل يا عزيزي. خطبة جُمعة كاملة عن “البوكيمون”. وتنتهي بطلب تبرعات للتوسعة ومن ثم توزيع أوراق غبية.

الكثير من المواقف التي أتذكرها منذ طفولتي وترتبط بالمسجد. والتي كانت سبباً في إبتعادي لسنوات طويلة عنه. وحتى يومنا هذا. ربما ذكرت البعض منها سابقاً وكيف كانت تستقطب الحركة الاسلامية الأطفال من خلال تكفيرها “بشكل مباشر” لباقي التنظيمات والتيارات الفلسطينية. وسأذكر الكثير لاحقاً. ولكن أمس سمعت أحد شيوخنا يتحدث عن سخافة المصريين في تحويل كلام دمية كرتونية على أنه مؤامرة.  فأحببت يا عزيزي أن أقول لك بأننا سبقنا المصريين في تفاهاتهم الإعلامية. وتفسيراتهم لـ “ابلة فاهيتا” التي ظهرت في دعاية شركة إتصالات كدمية وتصرف معها مُعظم المصرين على أنها مؤامرة تُحاك ضدهم.

شعبنا يا عزيزي مليء حتى يومنا هذا بأولاد المرّة الوسخة. فأرضنا المُقدسة لم تتوانى للحظة في ولادة هذه الأشكال. لا ادرى كيف إستحملت هذا. ولكنهم متواجدون بكثرة في أماكن عباداتنا. مساجدنا يا عزيزي لم تكن يوماً للعبادة بل كانت لتغييب عقولنا وزرع الغباء فيها. وشيوخ اليوم في فلسطين الذين يتحدثون عن “قلة عقل” المصريين. يتناسو بأنهم أغبى من أقرنائهم هناك. هذا هو شعبنا. وهذه هي أماكن عباداتنا وما تحويه من قاذورات بشرية. وإن كُنت تنسى او تتناسى يا عزيزي. هنالك من لا ينسى.

 

أصدقائي المُستمعين. أيُها السادة. سيداتي وسادتي.

16 مارس 2014

صورة
في ناس بتحب تسمع الأغنية فقط. دون زيادات. وفي ناس بتهتم بتفاصيل الأغنية. من حيث الكلمات والألحان. وفي ناس بتهتم بتفاصيل التفاصيل. من حيث تقديم الاغاني والمُطربين للجمهور. أحياناً أشعر بأن طريقة تقديم المُطرب للجمهور في الحفلات من خلال عريف الحفل يُعبر عن القيمة الحقيقية للحفل ومستواه. حتى أني مقتنع بأن طريقة التقديم تؤثر على آداء المُطرب.  عندما كانت السيدة أم كلثوم تُغني في سوريا. كان يتم تقديمها للجمهور بطريقة جميلة. أجمل من تلك التي تُقدم فيها بمصر. فلذلك من أروع تسجيلات السيدة أم كلثوم – من وجهة نظري- هي تسجيلاتها في سوريا.

ذات مرة وفي سوريا تم تقديم السيدة أم كلثوم للجمهور قبل أن تبدأ في الغناء على النحو التالي:” إذاعة الجمهورية العربية المتحدة من دمشق. أصدقائي المستمعين. من مسرح معرض دمشق الدولي نحييكم. من عالمنا الصغير. من المدينة الحلوة الجميلة. من صفاء الليل ومن هدوءه. من بُحة ناي. من رعشة وتر. من همسة حُب دافئة. من خفقة قلبٍ حرى. من طلة القمر الوسنان الحالم. يرنو بطلعته المتألقة. ينعكس في العيون صفاءاً ويبسِمُ نوراً وضياءاً. من مسرح معرض دمشق الدولي نحييكم أصدقائي المستمعين. مع كوكب الشرق ام كلثوم”. – انتهى التقديم.

 بعد هذا التقديم ما كان على كوكب الشرق إلا أن زادت الليل صفاءاً. وما لبُثَ بصوتها إلا أن ضاجع طبلة آذاننا. وفض غشاء بكارتها. عندما تلت على مسامعنا مقطع واحد فقط من القصيدة التي كتبها بيرم التونسي. مقطع واحد كررته طيلة خمس دقائق. تقول فيه “أهل الهوى يا ليل. فاتوا مضاجعهم. وتجمعوا يا ليل. صحبة وانا معهم”.

أم كلثوم ليست الوحيدة التي قُدمت بطريقة زادت من روعة تسجيلاتها التي وصلتنا من سوريا وغيرها. فالمنشد الشيخ ياسين التُهامي من مصر دائماً ما يُقدم الى الجمهور بطريقة تزيد من روعة تسجيلاته التي تصلنا من المحافظات المصرية المختلفة. الشيخ ياسين التُهامي من أعظم المُنشدين الذين مروا على تاريخ البشرية جمعاء. صوته العذب في مديح المولى عز وجل ورسول الله مُحمد الأمين. تُشعر الإنسان بأن جنان الرحمان في إنتظاره. هذا الشعور الجميل والخيالي بعض الشيء يأتي للإنسان وكأن الجنة على إستعداد لإستقباله إلى أن يُنهي الشيخ إنشاده.

ذات مرّة في محافظة أسيوط المصرية. قُدم الشيخ ياسين التُهامي للجمهور من قبل القائمين على الحفل على النحو التالي:” بسم الله الواحد الأحد. بس الله الفرد الصمد. الذي لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفواً أحد. أيها السادة. في هذا اللقاء الجميل. المبارك. كعادتهم السنوية أبناء الشيخ سيد العارف بالله. الشيخ أحمد الطوابي. في الطوابية – مركز الفتح محافظة أسيوط. اليوم. الخميس الموافق الخامس من سبتمر 2013. التاسع والعشرون من شوال 1443 هجرية. والآن مع الإبتهالات الدينية. والإنشاد الديني. والمديح في رسول الله صلى الله عليه وسلم. من أمير الملتحين. وشيخ المنشدين. مع المُبتهل الكبير الشيخ ياسين التُهامي”. – إنتهى التقديم.

ليس بالضرورة أن تكون متديناً لتُحب الشيخ التُهامي. كثيرون هم من ينتظرون المناسبات الدينية لسماع شيخ المنشدين بشكل مباشر. يذهبون الى مكان وجوده من أقصى مصر لسماعه. وانا من هؤلاء الذين ينتظرون كل جديده ولكن كتسجيلات صوتية بسبب البُعد الجغرافي. بطبيعة الحال. لَن يفهم البعض محبة الكثير لأمير المُلتحين إلا أن يسمع الشيخ للمرة الأولى وهو يُنشد ” قلبي يُحدّثُني بأنّكَ مُتْلِفي” سيدرك تماماً سبب هذا الحُب. ويتجلى حبه للشيخ عندما يُنشد كلمات كتبها “سلطان العاشقين”. الشاعر المتصوف إبن الفارض ” فَلَئنْ رَضيتَ بها، فقد أسْعَفْتَني؛ يا خيبة المسعى إذا لمْ تسعفِ يا مانِعي طيبَ المَنامِ، ومانحي ثوبَ السِّقامِ بهِ ووجدي المتلفِ عَطفاً على رمَقي، وما أبْقَيْتَ لي منْ جِسميَ المُضْنى ، وقلبي المُدنَفِ فالوَجْدُ باقٍ، والوِصالُ مُماطِلي، والصّبرُ فانٍ، واللّقاءُ مُسَوّفي “.

هنالك الكثير من التقديمات للمُطربين والمُنشدين في أنحاء مختلفة من العالم. وربما بالنسبة لي تقديم أم كلثوم في سوريا من أجملهم. وفي سوريا أيضاً. غنى ذات مرّة الفنان السوري دُريد لحام. الشهير بـ”غوار” أغنية “يامو”. الاغنية التي يحفظها الجميع. قُدمت بطريقة جميلة أيضاً. والجميل أن تسجيلات الأغنية الموجودة حتى الآن مرتبطة بذلك التقديم. وكأن التقديم هو جزء من هذه الاغنية. والجميل أكثر. أن من يريد ان يغني هذا الأغنية من العُموم. يتلو التقديم قبل أن يبدأ. فَقُدم غوار على النحو التالي:” سيداتي وسادتي. ختاماً لهذا الحفل الساهر. أبو المقالب الدائم غوار الطوشة يقدم أغنية ويهديها الى أمه الحنون. وهي بعنوان: من السجن with love”.

 

رسالة من القلب إلى جميع الأصدقاء.

24 فبراير 2014

arton1175

في الحقيقة. حاولت أمس أكثر من مرّة كتابة رسالة مَحبة يتضمنها إعتذار صريح لصديق عزيز كون المسافات فرقت بيننا قبل فترة تُعد طويلة نسبياً بالنسبة لأصدقاء . لا أدرى صدقاً لماذا فشلت في الكتابة له ووجدت نفسي أكتب لجميع الأصدقاء الذين أحبهم كما أحبه. آمل من القديس “يوسف حمايل” أن يعتبر هذه الرسالة الصريحة موجه له وأن تكون هذه الرسالة بمثابة إعتذار لغيابي الذي لا يمكن تبريره. وآمل من الأصدقاء جميعاً إعتبارها موجهة لهم أيضاً. كون عدد كبير من الأصدقاء مرت فترة طويلة على آخر لقاء بهم.

في البداية أود أن أقول بشكل أو بآخر بأن علاقتي بالزمن هي علاقة مضطربة. فأنا شخص لا يملك تلك الذاكرة التسجيلية التي يمتلكها البعض. نادراً ما أتذكر الكلام الذي يحصل بيني وبين الناس. ربما بعض النصوص التي أتذكرها هي تلك التي تحمل مشاعر طيبة فقط. تماماً كتلك التي ذكرتها في إحدى رسائل المحبة المرسلة لصديقنا العزيز “ايهاب”. وأتذكر بعض المواقف وهي التي أثرت بي بطبيعة الحال. علاقتي بالتواريخ سيئة للغاية. فلا اتذكر تواريخ إطلاقاً. وبالرغم من أن هذا الأمر سبب لي الكثير من الحرج مع البعض منكم. خصوصاً بموضوع المناسبات الإجتماعية التي كنت أتغيب عنها لكوني لم أتذكر تواريخها. إلا أن هذا الأمر جيد بالنسبة لي في الوقت الحالي على الأقل.

بدأت قصتي مع عدد كبير منكم منذ أربع سنوات. تقريباً في مثل هذا الوقت من العام. بصدق كانت البدايات بالنسبة لي نوع من أنواع المقامرة. أو نوع من التحدي. تحدي بالنسبة لي شخصياً. ودوما ما كنت أتسائل إن كنت قادر على التأقلم مع الوضع الجديد أم لا. الوضع الذي سأنتقل فيه من حياتي الفوضوية الى حياة ربما تكون أكثر إلتزاماً. وكنت أشكك دوماً بنجاح هذه المحاولة لكون علاقتي بالأشخاص دائماً ما تكون مضطربة لسبب أني لا امتلك عامل التعلق بالأشخاص. أو لسبب إفتقاري لعامل “إبداء الإهتمام” لهؤلاء الأشخاص. وهذا ما أزعج البعض وازعجني في آن واحد. بالرغم أن قلّة من المقربون تفهموا هذا جيداً في فترة من الفترات.

الرائعون والرائعات. ربما ما اتحدث به الآن لا يهمكم. ولكن انا على إيمان عميق بأن الحديث هذا سيترك تأثير كبير في نفوس البعض منكم. في الحقيقة، في فترة الجامعة لم أجد مدينتي الفاضلة التي كنت قد تخيلتها قبل دخولي لها. مُشكلتي الحقيقية التي كنت أواجهها – وخصوصاً في أول عامين – مُروري بفترة شاهدها البعض منكم بتفاصيلها وهي مرحلة التحول والتقلب في شخصيتي. بتصنيف المدرسين كنت طالب سيء. بالرغم أن الكثير منهم كان يحدثني مفرداً بأني طالب ذكي ولكن تحصيلي الأكاديمي متدني وكان يتسائل عن السبب دوماً. كانت حجتي دوماً بأني شخص يرفض الخطوط التي يرسمها المدرسون للعلم والمعرفة كوني أعشق المساحات المفتوحة. وبصدق لا اتذكر نقطة التحول التي حصلت يوماً ما وأصبحت ذلك الطالب المتفوق القريب من جميع المدرسين دون إستثناء.

الأحبة جميعاً. ربما الكثير منكم لم أختاره ليكون بجانبي. فأنا عندما دخلت الجامعة وجدتكم. وكنت ألجأ الى العزيز “إيهاب” دوماً واحدثه بأني لن أكون أي صداقات من هذا النوع إطلاقاً. في السنة الأولى لاحظتم جميعاً بأني كنت إنطوائي. وأجلس لوحدي في نهاية قاعة التدريس. منصتاً ومُقل للأحاديث مع الجميع. وفي الحقيقية كنت في أحيان كثيرة أدعو الله بأن “يساعدني أن لا أكرهكم”. كون الكره سهل الحدوث وصعب الزوال من قلبي. كان البعض منكم يُثير غضبي بتصرفاته الصبيانية. ولكن مع مرور الأشهر الطويلة وبعدما توصلت لنقطة لا رجوع عنها وأصبحت فيها أشاهدكم أكثر من مشاهدتي لعائلتي تغير الوضع كثيراً.

الأعزاء. لم أبدي في يوم من الأيام أي أهمية لتجربتي الأكاديمية. بالرغم أني فخور بمساعدة الكثير منكم في تخطي هذه التجربة التي لا اعتبرها غنية لي ولكم كونها كانت بمساحة مغلقة. دائماً ما كنت أهتم بالتجربة الإنسانية التي كنت أعيشها مع البعض منكم. تلك التجربة المليئة بالمواقف الجميلة. المليئة بالشخصيات المختلفة واحياناً الشخصيات غريبة الاطوار والتصرفات. كنا جميعاً في نفس المكان وفي نفس الإطار المرسوم لنا مسبقاً وفي نفس الروتين المُمل. والذي كُنا نتخطى ملله بالنسيان. واحياناً كثيرة بالإبتسامة.

الأصدقاء جميعاً. تعلمت منكم الكثير من خلال تصرفاتكم التي لم اكن أستهويها يوماً ما. حتى أن احدكم علمني “الهروب”. نعم اتذكر كلامه جيداً عندما قال لي بأنه يُفضل الهروب في أحيان كثيرة على المواجهة. حتى أني ذهبت بعيداً في ذلك وأصبحت أهرب داخل الموسيقى وكلمات الاغاني. وأبعد من ذلك هذا الهروب علمني أسلوب جديد في الكتابة. وهو اسلوب الكتابة الذي يكون من القلب الى القلب مباشرة. كُنت أهرب إليكم من هموم الدنيا وضجرها. أهرب إليكم من عَملي المليء بأخبار الوطن السيئة. كُنت أجد لصوتي صدى كبير لمجرد الحديث معكم. وكان الحديث معكم يعلمني الصبر على امور لم أعتد أن أصبر عليها. كان الإختلاف معكم يُشعرني بأن الحياة مستمرة بالرغم من سلبيتها.

شكراً لكم جميعاً دون إستثناء. شكراً لكوني كلما تذكرت أحدكم أبتسم. شكراً لكوني أتذكر إبتسامتكم نفسها. شكراً لكوني أتذكر الحكايا الجميلة والتي أثرت بي بصدقها. شكراً للمشاعر الطيبة والتي أعتبرها في حياتي أمر جميل. بل أمر فائق الجمال.

أكتب إليكم هذا أيها الأحبة لكون الدقائق والساعات الجميلة التي كنا نجلس بها لنبتسم لن تتكرر يوماً ما. او ربما لن نمتلك يوماً ما هذه الدقائق لنودع أنفسنا بها، ذلك الوداع الذي يليق بكم. ولكن ربما تكون هنالك دقائق أكتب لكم فيها إهداء بسيط أقل منكم على ورقة من أوراق كتابي الأول. إلى ذلك الحين يا أحبة أتمنى لكم حفظ الله ورعايته.

عن السينما والسُبكي ومؤخرة هيفاء وهبي

20 فبراير 2014

صورةالإسبوع الماضي. إستضاف الرائع باسم يوسف ضمن برنامجه “البرنامج؟” قرينة الرائع في مجال الإخراج عمرو سلامة. وبطريقة ما ولإرسال رسالة ما. مررّ باسم مقطع من فيلم “حلاوة روح” الذي تقوم بتأدية البطولة فيه صاحبة الجلالة والخمس وأربعون عاماً هيفاء وهبي والمثيرة جنسياً بجسدها لرقم أمامة 6 أصفار من شبان وشياب الوطن العربي.  لا أريد ان أتحدث عن هيفاء وإثارتها ولا حتى عن فيلمها الجديد “حلاوة روح” المسروق أصلاً من الفيلم الشهير وذائع الصيت ” Malena ” والذي أُنتج عام 2000. والذي تقوم الهيفاء فيه بتأدية نفس الدور الذي قامت بتأديته الرائعة “مونيكا بيلوتشي”. ولكن بإثارة وسذاجة أكثر. ولكن بالتأكيد لا فرق بين مونيكا الشابة الجميلة ذات الجمال الطبيعي. وقرينتها العّربية صاحبة المؤخرة والأثداء المصنوعة من مادة السيلكون.

ما أريد أن أتحدث به على وجه العموم هو الفرق بين السينما العربية والسينما الغربية. وعلى وجه الخصوص الإنحطاط الذي وصلت إليه السينما العربية على يد المنتجين العّرب. وبالتأكيد عندما نتحدث عن منتجين عرب يكون لأبناء عائلة السُبكي نصيب. الأشقاء ” محمد وأحمد السُبكي” والمنافسة الشديدة والمُلاحظة فيما بينهم “مؤخراً” لمن يستطيع ان يقدم أفلام أكثر إبتذالاً. ويصاحبها أعلى إيرادات على شبابيك السينما العربية. فهذه هي المعادلة بكل أسف في الوطن العربي ” إبتذال وإثارة جنسية أكثر. عائدات وايرادات مالية أكبر”.

بداية الاخوة السُبكي “أحمد ومحمد” في مجال الإنتاج السينمائي لم تكن سيئة. ويمكن الإقرار في ذلك. حيث بدأ أحمد السُبكي لوحده عام 1984 من خلال “نادي فيديو” في محافظة الجيزة المصرية. وبعدها إنضم إليه شقيقه محمد ليؤسسا أكبر شركة تسويق للأفلام الاجنبية في الشرق الأوسط. وبعدها إتجه الأشقاء لمجال الإنتاج السينمائي، “الإنتاج المعقول” نوعاً ما. وهو الإنتاج الذي يعتمد على القصة والقليل من مشاهد الكوميديا. والإعتمادية بطبيعة الحال على النجوم الكبار في تلك الفترة لضمان توافد الناس على شبابيك السينما. ونجح الأشقاء في إجبار الناس على دفع تذكرة السينما بالرغم من الحالة الإقتصادية السيئة التي كانت تعيشها مصر في تلك الحقبة. كون نجوم عائلة السبكي في الأفلام هم نجوم الشارع المصري. من ضمنهم الراحل “الرائع” احمد زكي بأفلام مثل سواق الهانم ومستر كاراتيه والرجل الثالث. ونور الشريف ووالراحل علاء وليّ الدين وغيرهم. بالطبع هذا كان في تسعينيات القرن الماضي. وقبل أن يدخل الأخوين منحدر صناعة الأفلام بصناعتهم لفيلم “اللمبي” لمحمد سعد. وهذا المنحدر صنعه الأخوين بحرفية، حيث ظهر جلياً ان الأشقاء أرادو الإبتعاد عن تلك الأفلام التي يمكن أن تشكل حالة فشل والرهان عليها إن كان الناس سيتقبلونها أم لا. وأتجهوا لصناعة السينما “مضمونة النجاح” وبكل تأكيد أتحدث هنا عن حقبة الألفية الثانية وظهور أفلام مثل “كلم ماما، وبحبك وأنا كمان، وسيد العاطفي، وعمر وسلمى”. وبعدها إنفصل الأشقاء وأصبح هنالك حالة تنافس شديدة في صناعة الأفلام الأكثر ردائة وأكثر إيرادات. الى أن وصلنا الى أفلام مثل الألماني وقلب الاسد وعبده موته. وهذا الفيلم الأخير الذي حقق أعلى إيرادات في تاريخ السينما المصرية حسب ما نشرت جريدة الأهرام المصرية. واليوم حلاوة روح.

على النقيد تماماً للسينما العربية، هنالك عالم آخر من السينما. بالتأكيد ذلك العالم يوجد به ما هو سيء ومشابه لإنتاجات الأخوين السُبكي الرديئة مع فروقات في الإخراج والمؤثرات البصرية المُبهرة، ولكن يوجد به ما يقوم بسرقته الأخوين السُبكي أيضاً دون أي إبتكار أو تجديد حتى “كحلاوة روح”. وهنا عن السينما الغربية أتحدث. لا يُمكن تسليط الضوء على إنتاجات السينما الغربية “المُبهرة” بكل ما تحمله الكلمة من معنى لعام واحد فقط. فهذا الأمر سيحتاج الى صفحات عديدة. ولكن يمكن تسليط الضوء على الأفلام التي حصلت على الجوائز العالمية. والمرشحة لجوائز الأوسكار. فمن يتابع السينما الغربية عن كثب يرى بأن الأفلام التي تحصل على الإيرادات الأعلى وتلاقي إستحسان الجمهور الغربي وتحصد جوائز كبيرة مثل “الغولدن غلوب” و”الأوسكار”. هي الأفلام التي تقدم قضايا إنسانية وذات الحبكة الدرامية القصصية والتي تصور عن الإنسان نفسه. البعيدة عن الإبتذال. الأفلام التي تناقش سير شخوص غيروا مجرى التاريخ. أفلام تتحدث عن عالم الفضاء ونهاية الكون.

لنعود الى الشقيقين السُبكي مرة أخرى. ونتسائل ماذا يُقدم هؤلاء؟. وهل ما يُقدم من أفلام له أي صلة بالواقع؟. انا على قناعة شبه تامة بأن المجتمع المصري نفسه قبل أي مجتمع عربي آخر يرفض الأخوين السُبكي وأفلامهم. ولكن في نفس الوقت يحقق هذا المجتمع للسُبكي أعلى الإيرادات كل عام. وهذا تماماً ما هو موجود في المجتمعات العربية الأخرى التي ربما ترفض أفلام الأخوين السُبكي أخلاقياً وإجتماعياً ودينياً ولكنها تتيح للسُبكي مجالاً واسعاً للمضي قدماً في تقديم نفس هذا الإبتذال والبذائة والإنحطاط السينمائي. فأفلام السُبكي بطبيعة الحال هي من تتصدر شبابيك التذاكر في كل عيد. بالرغم من وجود أفلام لها قيمة فنية كبيرة تكون مطروحة في السينما في نفس التوقيت. وهنا يتولد سؤال جديد: لماذا في الغرب تنجح الأفلام التي تقدم قيمة للسينما الغربية بينما في بلاد العُرب تنجح أفلام السُبكي التي تزيد من إنحطاط السينما العربية؟.

بالعودة لسؤال هل ما يقدمه الأخوين السُبكي له علاقة بالواقع. الإجابة بالطبع لا. يعمل الأخوين السبكي منفصلين في مكاتب إنتاجية بعيدة كل البُعد عن الواقع الذي تعيشة الطبيعة الإجتماعية المصرية. فَجُل أفلامهم  دائماً ما تقدم صورة سلبية عن الأحياء الشعبية والعشوائيات في مصر. وتنتقل هذه الصورة الى العالم العربي الذي لا يعرف طبيعة العيش في هذه الأحياء لتتكون عنده صورة نمطية لكل من يعيش في حي شعبي صورها له السُبكي. تلك الصورة الممتلئة بالمشاكل والبلطجية والمخدرات والدعارة وقمصان النوم وتفاصيل ليلة الدخلة وما يصاحبها من عجز جنسي وتناول منشطات مثل الفياغرا وربط ذلك بهموم المجتمع ككل. والراقصات في الحفلات والإختلاط والتعري في الأفراح الشعبية وتوزيع مشروب “البيّرة” على المعازيم وأحجار الحشيش واللحم الرخيص وإطلاق النار الكثيف الذي يُشعرا لمُتلقى بأن الوضع في مصر “شوربة”. هذا لا يمت للواقع بصلة. صحيح أن من يعيش في الأحياء الشعبية والحواري المصرية القديمة ليس بتلك الدرجة من الرُقي “على الأقل شكلاً”. ولكنه ليس بتلك الصورة الساذجة التي دائماً ما يقدمها الاخوين السُبكي في أفلامهم.

كثيراً ما أتسائل سبب نجاح السينما الغربية ككل. وفشل السينما العربية بمجملها. وأرى من خلال متابعتي للسينما الغربية بأن المنتجين والمخرجين هناك لا يحاولون إستنساخ الواقع الذي تعيشه بلدانهم. كما يحاول أن يفعل السُبكي وغيره ويفشلون بسبب الإبتذال والتهويل. بل أن السينما الغربية تعمل على “التعبير” عن الواقع بشكل أخلاقي وواعي. الشكل الذي تكون فيه قابلية للفهم من قبل المُشاهدين. وفي أحيان كثيرة يحاول المخرج السينمائي الغربي إعادة تشكيل الواقع ليكون بشكل أفضل. وهذا بعيد كل البُعد عما يقدمه الشقيقين السُبكي. حيث دائماً ما يقول السُبكي وغيره من المنتجين والمخرجين العرب في نهاية أفلامهم بأن “الواقع أشد قسوة”. ربما أقتنع قليلاً بكلامهم هذا. ولكن ماذا فعلت لتغيير هذا الواقع؟. ماذا فعلت أنت سوى المتاجرة في هذه القضية وتقديمها بطريقة مبتذلة وهابطة؟.

أخيراً. لماذا أكتب عن هذا؟ وماذا علينا أن نفعل إذاً؟. ربما كتابتي لهذا الكلام بسبب تأثر المجتمع بأفلام السُبكي. نعم أصبح هنالك من يُقلد مواقف ومقاطع من أفلام السُبكي. بمعنى أن السينما أصبحت تؤثر على الأفراد ولا تتأثر بالأفراد كما هو معهود. فليس غريباً ان تجد طفلاً أو مراهقاً يحمل سكيناً ويرقص على إحدى أنغام الأغاني الشعبية المصرية الهابطة التي يقدمها الأخوين السُبكي في أفلامهم. عن فلسطين أتحدث. فما بالك الصورة في مصر؟. هل علينا فقط مشاهدة أفلام السُبكي بصمت وعدم تصديق أي قصة يبتدعها من داخلنا وأن تكون العلاقة بيننا وبين ما يقدمه فقط هو المشاهدة. أم علينا أن نقاطع أفلامه؟. من وجهة نظري أرى  بأن اضعف الإيمان هو الحل. نعم علينا بالمقاطعة ومن ثم علينا ان نتوجه الى الله بالسؤال لنقول: لماذا لا يموت ولاد المرّة الوسخة؟.