Archive for the ‘مريم’ Category

صندوق بريد: رسائل الى مريم 5

3 أبريل 2016

10576900_807386925968474_6043715761106058577_n

في ذلك الشارع الطويل. ذو المحال الكثيرة التي تمتد على جانبيه. ويفضي في نهايته الى سوق الخضار في مدينتنا. توقفت عن المشي قليلاً. أخرجت حافظة النقود وتفحصتها. كم تبقى لي الآن؟ ثلاث سنوات؟ أو ربما عشرة. ربما ثلاث حكايات او حتى حكاية واحدة. ربما لا شيء. اسرعت الى البقالة المجاورة. طلبت علبة سجائر أخرى. يخبرني البائع أن هنالك نوع جديد من السجائر. أسأله أيهم أكثر ضرراً، أيهم يحرق أكثر؟. الآن سأدعو أحدهم الى سيجارة وسيرفض. وسأقول له وأنا أنفث الدخان بعيداً: هذا ضغط كبير لا بد أن يخف يا عزيزي. يسألني: هل تريد مزيداً من الوقت لأخبرك عن هذا؟ هل تريد مزيداً من الفرص؟. ارجع الحافظة الى مكانها وأدلف إلى التاكسي. سائق السيارة يتكلم كثيراً. لماذا لا يكتفي بالاستماع فقط؟. اقاطعه لأقول بأني أتذكر وجهك جيداً. كان مستديراً بعض الشيء، فيه منحنيات عذبة تلتف وتنغلق لترسم هذا الوجه. حاجبين دقيقين يرتفعان وينخفضان ما بين الاندهاش الأول والاطمئنان الأخير. خصلة شعرك تتحرك دوماً فوق جبهتك دون قيد او شرط. عيناك تتسعان جداً عندما تحدثيني بأشياء لا اعرفها في الغالب. كنت أقتحم كل هذا وأسكن فيه وتلتئم حولي خيوط الوجه وتنغلق الدائرة، فأطمئن وأهدأ. أختلس منك رويداً رويداً. فأدركت حينها اني لم اعد غريباً.

مررت من أمام محل الورد نفسه. ذلك القريب من المستشفى والجامعة على حد سواء. هل تذكريه؟. يشتري منه مريدوه باقات الورود قبل دخولهم باب المستشفى لزيارة معارفهم. وقفت على الرصيف المقابل له وتذكرت لقائنا الثاني هناك. حينها وقفت انتظرك لأكثر من نصف ساعة قبل قدومك. استدرت لأشاهدك تنزلين من التاكسي. تقدمتي نحوي حينها باستحياء، فيما كنت أقوم بكل الخطوات الإستباقية نحوك. صافحتني. وأدرت وجهكِ لتشاهدي الحمام على الرصيف المقابل. لم أشاهد وجهك جيداً. ابتسمت حينها دون سبب. وقلما أبتسم دون سبب. كان الوقت مبكراً، أقل من نصف ساعة على بدء محاضرتك في الجامعة، في الحقيقة كنت في موقفاً لا أحسد عليه، كنت قد وقعت قبلها في غرامك لحظة اللقاء الأول، لا وقت أمامي لأحدثك عن هذا، تديرين وجهك للحمام وأناظر شامتك على خدك الأيمن، دائماً ما كانت تأسرني الشامات. وفاء تقول لي بأني كنت دوماً أسألها عن شامات النساء في صغري، هذه حقيقة لا تضحكي!. بِتُ أقل توتراً حينها عندما طلبتي أن نمشي قليلاً. وسألتني:” هل انتظرت طويلاً؟”. أجبت في نفسي “انتظرتك طوال حياتي”.

توجهت الى ذلك المطعم. ساعتي تشير إلى العاشرة والنصف. كان على زياد أن يحضر قبل نصف ساعة من الآن لمناقشة التقرير الذي استغرق إعداده الأربعة أشهر قبل أن يغادر البلاد. هكذا اتفقنا عبر البريد مؤخراً. لا بأس بنصف ساعة أخرى. ربما تأخر لأمر هام. طلبت كوب قهوة وقطعة صغيرة من السوفليه. وذهبت أتأمل في تفاصيل المكان. لا صوت في المقهى يا مريم إلا صوت خطوات النادل الذي يتجول بين طاولات الزبائن الذين لا يتعدون الخمسة. حائط المقهى ينقسم إلى ثلاثة أجزاء، السفلي منه حجر مصبوغ باللون البني، أما في الوسط فهو لوح زجاج يمتد على عرض الواجهة، يطل على شارع فرعي لا تمره السيارات إلا نادراً. في الجزء العلوي يعود الحجر المصبوغ باللون البني مرة أخرى. الطاولات خشبية مطلية باللون الأسود يغطيها مربع من الزجاج. يسهل مسحه لكي لا تتعلق بعض الأحاديث التي يهمس بها الزبائن. في زوايا المقهى توجد بعض العرائش الخشبية الصغيرة لخصوصية أكثر. مغطاة بستائر من الدانتيل. على الطاولة المقابلة تجلس فتاة لا تمتلك شامة تقرأ كتاب لم تساعدني عيناي الضعيفتان أن أعرف ما هو. تناظر ساعة يدها بإستمرار وكأنها تنتظر شخص ما. وملامح وجهها تقول بأنه لن يأتي. في آخر المقهى كنبة تمتد على عرض مترين. حيث مكاني المفضل اجلس فيه وحيداً عدا علبة سجائري. جاء النادل بقطعة السوفليه وكوب القهوة، كان يتقدم نحوي وهو يناظر عيناي بوقاحة. وقف أمامي ونظر في عيناي مباشرة. ابتسم ابتسامة خفيفة دون سبب. أظن أني سمعت صوتها. أشعلت سيجارة وذهبت أتذكر أين شاهدته. نعم هو نفسه ولم يتغير، هل تذكريه؟ هذا كان الشاهد على لقائنا الأول. حيث جلسنا على نفس المقعد قبل سبع سنوات.

انتهيت من شرب القهوة، كانت الساعة الحادية عشر، والسماء داكنة. كان يتوجب علي أن أغادر. وضعت وشاح الكروشيه الذي صنعته وفاء حول رقبتي. وهبطت نحو مدخل البناية. وقفت للحظات. كان لدي شعور بأن زياد قريب من هذا المكان. قررت أن أمشي بشكل دائري حول ميدان عرفات. وصعوداً وهبوطاً في شارع البريد. بحثاً عن شخص قصير القامة، صغير الرأس. في العادة يلبس قبعة مسطحة رمادية اللون مصنوعة من التويد، وسترة منتفخة ذات لون بني. لا أعرف إن اشترى أخرى بلون آخر في فترة الخمس سنوات حيث كان آخر لقاء بيننا. الشوارع شبه فارغة من المارة، كانت طبقة جليدية من البَّرَد قد غطت الشارع. وللحظة بت لا أرى سوى توهج أضواء السيارات من شدة الضباب. عصفت ريح مفاجئة بشجرة الأكاسيا الموجودة على أطراف الشارع، فتساقطت أوراقها ببطء شديد. أدركت حينها أن زياد لن يأتي. كما ذلك الشاب الذي تنتظره فتاة المطعم. أو كما أنتِ. تتسارع الذكريات في رأسي وتتردد كل الحكاية في أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، يضحك البرد ضحكته الساخرة ويدخل إلي من ظهري ويمتد كالظل المخيف. يحدثني العزيز إيهاب بأننا “كبرنا وأصاب التعب أرواحنا”. لا أجيب سوى بتنهيدة شديدة يتبعها أذى. ربما هذا أدق وصف لما يحدث لي الآن.
كم تدخن يومياً؟. تسألني وأنا أخرج علبة سجائري. خمسة سجائر عادةً، أخرج السيجارة السابعة. فتقول بأنها لا تصدقني. كلمات قليلة، والوقت يمر، أدرك انها منحتني فرصة للإقتراب أكثر. لكن خانتني الشجاعة، لحظات قليلة وغادرت. يتبع السائق استراتيجيات مملة في تجاوز الأمر. او في محاولة تجاوزه. يخبرني بأن الهوان يهاجم بضراوة هنا. نحن على أرضه وبين شعبه. أنا مثلك. لكني ما زلت غريباً، لا املك الا حكاية واحدة وقد نسيتها تماماً. أخبره بانه مبتذل. وممل، لم يدلف الى وجهها المستدير فبقي غريباً ونسي كل شيء. لم يجب. أمال رأسه قليلاً وحدق في طويلاً وأصبح حزيناً فجأة. أردت ان أسأله لماذا أصبح حزيناً، لكن لم استطع. فلماذا قد أسئله الآن؟. نزلت من التاكسي. فتجاوزني وأكمل.

استغرق وقتاً حتى أستيقظ بعد ساعات النوم الطويلة. تختلط علي الأصوات ما بين صوت محمد عمران او صوت أمي وهي تعيد ترتيب الغرفة في اعتيادية تامة. وتدندن فتملأ الوجود صخباً وجمالاً يتمتد الى الأبدية وما بعدها. لا حول ولا قوة الا بالله.. لا حول ولا قوة الا بالله.. تكررها اكثر من مرة. وتسألني عن سبب وجود اعقاب السجائر في مجرى الشباك. تكرر سؤالها مرتين من أصل ثلاثة، افتح عيناي فتبتسم. أغلق الهاتف في لحظة يقول فيها عمران “ان للمتقين مفازا حدائق واعنابا وكواعب اترابا”. فأسألها: هل تعرفين ماذا يقصد الله بكواعب أترابا؟ تجيب بالنفي. إذاً أنت تتعاملين مع نتيجة لأحداث طويلة لم تشهديها كلها. تتعاملين من نتيجة لسبب غير معروف. هو يقصد شبيهات مريم، ذات مرة. منحتني يدها طويلاً. أحسست أن العالم كله قد اجتمع و إنتهى هنا حيث مساحة الالتماس الصغيرة بيني وبينها. ورحبت الأرض بما ضاقت به تماساتنا. ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: على أية حال ما كذب الفؤاد ما رأى.

لا. لا أريد مزيداً من الوقت. هذه العلبة نسبة النيكوتين فيها تزيد عن الأخرى. لذا سآخذ هذه الآن وأحسب كم تبقى لي من الحكايات فيما بعد. وأعدك بأني سأنفث الدخان بعيداً حتى لا أحرق وجهها المستدير بعبثية دخان سجائري. ماذا يفترض بي أن أخبرك الآن يا حبيبتي؟. في وقت الغروب في هذا اليوم الشتوي. الليل يشبه النهار. والناس تغادر من أمام محل الورد نفسه. إنتظرتك كثيراً، أكثر مما أظن. وبلحظة تكشفت لي الحقائق وإن كانت مؤلمة. من الصعب جداً أن أتعلق بأحد ما من جديد. “من جديد من الصعب جداً ان أتعلق بأحد ما”. يخبرني ايهاب بأني فقدت إيماني الذي كان يقيناً يوماً ما. وما الغاية من ايمان بلا جدوى يا مريم؟. حديثه هذا جلب كل مخزون الذاكرة دفعة واحدة يا عزيزتي . لم أصدقه، ولكن هذا لا يعني بالضرورة بأنه ليس على صواب. انها حكاية واحدة يا مريم وأصيغها أكثر من مرة بكلمات مختلفة. إنها حكاية واحدة.