Archive for 29 يناير, 2016

صندوق بريد: رسائل الى مريم 4

29 يناير 2016

10576900_807386925968474_6043715761106058577_n

الحبيبة مريم. عام مر على آخر مرة كتبت لك فيها. منذ تلك الليلة لم أكتب شيئاَ. انقطاع تام. أكتب لكِ الآن وينتابني شعور بأني لم أعد أعرف كيف ترتب الكلمات بجانب بعضها. توقفت عن الكتابة لكِ طيلة الفترة الماضية كوني أعرف بأنكِ لن تقرأي ما يكتب. أعرف تماماً ما كنتِ تمرين به حينها. أغلب الظن أن أول ما تريدين معرفته الآن عن ماهية مرضي الذي كنت قد أخبرتك عنه في رسالة قصيرة أرسلتها لك وأنا أجلس في صالة الإنتظار بالعيادة قبل أشهر. هل تذكرين عندما حدثتني بأن الأطباء في عياداتهم يصلون من أجل مرضاهم؟. هذا لا يبدوا حقيقياً. بدا لي بأن الطبيب الذي قصدته للعلاج يدعوا علي في سره. كوني اخبرته بعد سؤاله عن اعراض مرضي عن تلك الخيالات. عن ارتفاع ضغط دمي فوق حاجب ابنة خالي الصغيرة، وحديثي المستمر عن الإرهاق. عن الصوت الذي يخرج من القلب، قبل ان يسميه تكبراً بالنبض. وأغلب الظن انك تريدين معرفة ان كنت قد انتقلت الى عمل جديد أم لا؟. لا أشعر بالرغبة لأحدثك عن هذا الآن كونه يشعرني بالضجر. ليلة أمس بدأت مملة يا مريم. مثل معظم الليالي التي مرت منذ بداية هذا العام. هل الأيام لديك مملة يا عزيزتي؟. فضلت مشاهدة فيلم “حدث ذات مرة في أمريكا” للمرة الثانية على البدء في قراءة رواية ” ألف وتسعمائة وأربعة وثمانون ” لجورج أورويل. من أين حصلت عليها؟. وفاء أهدتني –بلا سبب- ثلاث روايات مؤخراً يا عزيزتي. ربما سَمِعَت من أحدهم أن إبتعادي عن القراءة أصبح أمر مربك، ولكن هذا ليس حقيقياً! فقد انهيت أمس قراءة “المعلم ومارغريتا” لميخائيل بولغاكوف. يا الله ما أجمل ترف قراءة هذا الأدب. لم يخيل لي بأن الصفحات التي خطها بولغاكوف ستفتح لي ذراعيها للقراءة بكل هذا الشغف. سحبني بروايته هذه الى مخيلته الدرامية المجنونة من موسكو التي زارها الشيطان الى اورشليم ومحاكمة سيدنا المسيح على يد بيلاطس البنطي. يمتلك اسلوب فريد في الجمع بين أزمنة روائية مختلفة دون أي اختلال في حبكة الرواية. كل شخصية في الرواية يحق ان يُكتَب عنها روايات مختلفة. لم أكتفي من شغف قرائتها. بل على الفور بحثت مسرعاً عن تفاصيل حياة هذا الطبيب. يا لهذا البؤس، حياته كانت بائسة، ربما أحدثك عنه مطولاً في رسالة أخرى. ولكن ما خطه زهرة يا مريم، زهرة في بستان الأدب الروسي اتمنى ان لا تنهي حياتك قبل ان تنعمي بريحها. للمرة الثانية أصابني اليأس. منذ لحظة مشاهدته الاولى قبل سنوات، وحتى اللحظة لم أنصح أحداً بمشاهدته أبداً. ليس لأنه سيء بالطبع، بل لأنه جيد بشكل مبالغ فيه. نعم يا عزيزتي، اقصد الفيلم. لا أعرف بحق كيف استطاع سيرجيو ليون أن يخلق مثل هذه الملحمة. نعم ملحمة، ما صنعه ليون أكثر من فيلم وأقل بقليل من حياة متكاملة. يتحدث عنا بكامل تفاصيل حياتنا، في لحظة قوتنا وضعفنا. عن انتصاراتنا الصغيرة وخيبات أملنا الكبيرة، التفاصيل التي تحدد مصائرنا. عن الجشع والخسارة عن الصداقة والخيانة، حيث لا فرق خيط رفيع بينهما. عن الطموح، عن الحب. وربما يعلمكِ يا حبيبتي كيف تضحين من أجله. ما تبقى من الليل كان أشد قسوة، حيث لحظة إختلاط الأسود بما سواه، حيث للسكون سطوة يا عزيزتي تملؤه الدقائق المتباطئة التي يبدوا أنها أرغمت أن تترك خلفها ثانية أو إثنتين. تتراكم شيئاً فشيئاً فيبدو الليل لا نهائياً. كجسر مُعلق بيني وبينك تملؤه الفراغات، أفكر بملئها. تحول دون ذلك إرهاصات النوم، حيث يحاول أن يخدعني النعاس. أستسلم؟ أم أسلم؟. أم يستحيل أن يصبح القمر بدراً؟. أراقبه من فراغ ستائر النافذة فيبدو محتالاً. يكتمل لحظة، وينقص لحظات، وهكذا. كأنه في دارة أبدية. أفكر للحظات … أيعقل يا مريم؟. أيخشى الله على هذه الأرواح ألا تجد من يخفف عنها اذا ما اكتمل؟. أول الجسر عندي وطرفه الآخر عندك يا عزيزتي أجيبي إذاً: كيف العبور في ليالٍ لسن بمقمرات؟. الليل. يبذل جهداً يا مريم، يحاول ان يغادر دون ان يحمل معه الآمال الجيدة، لكن لا يستطيع. يتركني مستلقياً على سريري أفكر بأمور تافهة. أنا المستيقظ الوحيد في هذه اللحظة على هذا الكوكب. لذلك هو لن يغادر. أفكر في الليل القديم، الليلة الأولى التي خلقها الله. هل من أحد كان يسهرها؟. ماذا لو كان هنالك ليلة أخيرة، الليلة الطويلة التي ستستمر الى الأبد؟. ماذا كنت سأفعل بها؟. أفكر بالشامات المنتشرة في أنحاء جسدك. أعدها من واحد الى سبعة. أفكر في أجملهم، تلك التي على صدرك الأيسر ام الموجودة فوق حاجبك الايمن؟. احاول ان اكسر السكون المنتشر. اشغل بعض الموسيقى في جهاز السمارت فون. تمر سيارة في الشارع الذي تطل عليه نافذة غرفتي مباشرة. يسبقني صاحب السيارة بكسر السكون. يسبقني بأغنيتين فقط. افكر في الأولى، وأتأمل في كلمات الثانية “ليالي اللي ماردتها تروح راحت وجتني اللي ماردتها تمر علي”. في نهاية هذا كله يا مريم، تظهر مساحات أحادية اللون، مساحات ما قبل الفجر. فيغلقني الليل، فتذهب سحابات الأفكار. تحمل معها مبتدأ العُزلة، ووخزة الحنين وحرقة الإنتظار وشجن الذكرى. وقمر يستحيل أن يصبح بدراً. يغادر الليل مع الأحلام الجيدة، ليس لسبب انه يقصد خيانتي. أبداً، ينتهي ليدفعني لصنع ليل آخر. ربما ليل مشابه بدقائقه المتباطئة وتراكم ثوانيه. وربما ليل مغاير تماماً نغني فيه سوياً وتضعين فيه اللحن الذي تشائين. ليل أبتكر فيه معك أغنية. ليل عظيم، ليل يمون. أنشئ لأجله قائمة “حدث في مثل هذا الليل”. هذا ما أردت أن أحدثك به هذه المرة يا مريم. ولا أشعر برغبة في الحديث عن أي شيء آخر. أحبك مريم في جميع هذه الليالي الطويلة. هل تحبين الليالي الطويلة يا حبيبتي؟.

Advertisements