سيتي إن.. من أبواب الانتفاضة الثالثة

56_36_10_10_10_2013

نشر هذا المقال عبر موقع الترا صوت بتاريخ 10 أكتوبر 2015. يمكن مشاهدته عبر هذا الرابط.

من أين تاتون بكل هذه الحجارة يا مروان؟. فلسطين مليئة بالحجارة، وإن إحتجنا نشتريها. هل تشترون الحجارة؟ كم تدفعون ثمن كل هذه الحجارة؟. لا ندفع ثمن الحجارة بقدر ما ندفع أجرة سيارات النقل التي تنقلها الى الشباب على خطوط التماس. كم تدفعون؟. نحن فقراء يا رجل، ندفع لهم 100 شيكل ونكتفي بنقلتين يومياً، واحياناً لا ندفع لهم، نطلب منهم مسامحتنا. “هذا ما قاله مروان البرغوثي لأحد الصحفيين في بداية انتفاضة الأقصى” في محيط فندق السيتي إن القريب من بيت إيل.

كانت رام الله صاحبة الوجهين في كل يوم صباح هكذا. كان التراكتور الأحمر يأتي يومياً في ساعات الصباح الأولى الى المنطقة الأشهر في رام الله فترة إنتفاضة الأقصى. وهي محيط فندق السيتي إن. ويُفرغ حمولته المليئة بالحجارة الصغيرة والمتوسطة الحجم، لا ادرى ان كانت هنالك معايير لدى سائق التراكتور في إختيار الحجارة. ولكنها كانت ملائمة لأيدي جميع الفتيان والشبان. يغادر السائق فوراً وكأنه أتم عمله على اكمل وجه. قبل قدومه كان الفتيان يأتون بـ “عجال الكاوتشوك” ويصنعون ساتراً منها ويغلقون الشارع. كانت عملية جلب الإطارات جميلة، العشرات من الفتية يقومون بدحرجة الإطارات على جوانب الطريق، الشارع مليئ بالفتية الذين يركلون الاطارات بأرجلهم لترتطم وتستقر خلف حاويات النفايات التي تغلق الشارع. هذا جميعه إستعداداً لقدوم المظاهرة المنطلقة من وسط البلد.

دقائق وتظهر الرايات. رايات ملونة. حمراء وصفراء وخضراء وسوداء وبيضاء. رايات تمثل جميع الحركات الفلسطينية. والاعلام الفلسطينية حاضرة أيضاً. تخترق المظاهرة سيارة تحمل دفعة جديدة من إطارات السيارات. تفرغ حمولتها في آخر نقطة. ويترجل أحدهم يسكب البنزين ويشعل النار ويغادر.

ليس كل من في المظاهرة يصل إلى آخر نقطة صنعها الشبان من إطارات الكاوتشوك، البعض كان يقف بعيداً ليشاهد. مثل السياسيين الفلسطينيين، كان معظمهم يأتي ويقف بعيداً عن نقطة التماس لكي يتصور ويقول انا هنا، ويدلي بتصريح يتصدر إحدى صفحات الجرائد.  واذا كان التصريح لوكالة أجنبية، يكون أفضل بالنسبة له. أيضاً العشرات من الرجال كانوا يقفون معهم. يشربون القهوة ويأكلون أحياناً “الكلاج”. أذكر هذا جيداً كانت عربات الخشب التي تبيع الحلويات والقهوة تأتي الى المظاهرات بشكل يومي.

بعد دقائق من إشعال الإطارات تأتي مجموعة من الجيبات الاسرائيلية. تقف بعيدة بأمتار عن الإطارات المشتعلة ويترجل الجنود لإمطار المتظاهرين بقنابل الغاز لإبعادهم. وإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين عند إلقاء الحجارة عليهم. الحجارة كانت في السماء كالمطر أيضاً. نادراً ما كان يتواجد المسلحون الفلسطينيون ونشطاء الكتائب بين المتظاهرين صباحاً. كانت عمليات اطلاق النار على الجنود تتم بعدما يغادر معظم الشبان. ربما لكي لا يكون هنالك خسائر بين المتظاهرين.

الفتيات كانت حاضرة في جميع المظاهرات التي كانت تحصل يومياً بالقرب من فندق السيتي إن. الكثير من الفتيات تأتي بسطل لنقل الحجارة للشبان. كانت عملية ممنهجة تملئ السطل من ذلك المكان الذي يتواجد فيه من يأتي ليتفرج على المواجهات وتمشي الى نقطة قريبة من الشبان وتفرغه على الأرض. لا ادرى ان سبق وساعدهم السياسيون في تعبئتها. ولكن البعض قال أن بعض السياسيين ساعده عندما اصيب بالإختناق بفعل الغاز. كان البصل هو العلاج لمعظم الشبان.

الشبان. كانوا معظمهم طلاب مدارس وجامعات. من كان يلقي الحجارة كان يحمل حقيبته المدرسية. البعض كان يطوي الكتاب الذي يحمله بشكل عامودي ويضعه في جيب بنطاله الخلفي. كان هذا المشهد هو السائد آنذاك. كثيراً ما شوهد طلاب يمزقون بعض الدفاتر لوضعها داخل إطارات السيارات للمساعدة في إشعالها. كان هذا المشهد مألوفاً.

لأكثر من عشرة أعوام مضت خرج محيط فندق “السيتي إن” من مناطق التماس بين الشبان وجنود الإحتلال. لنعود إليه مرة أخرى منذ بداية أكتوبر الحالي. هل من شيء تغير الآن؟. على مدى اسبوع نشاهد ما يحصل في محيط فندق السيتي إن. لتعود بنا الصورة الى أحداث الإنتفاضة الثانية. الفندق في مكانه والشبان والفتيان نفسهم. ولكن اجيال جديدة باتت تتعرف على المكان. الفتيات ما زالو يزودون الشباب بالحجارة، والإحتلال هو نفسه الذي يطلق الرصاص والغاز على المتظاهرين وينكل بهم. والفلسطينيون نفسهم الشهداء والجرحى. لكن، لا يمكن ان تعود الصورة كما كانت سابقاً. فالمسيرات لا أحد من رموز من الفصائل يتصدرها الآن. الصحافيون يبحثون عن الشبان لإلتقاط الصور لا قادة الفصائل. لا وجود لعناصر مسلحة تباغت الإحتلال وتطلق النار ليلاً. حتى التراكتور الاحمر لا يأتي الى هذه المنطقة. فالعشرات من المباني الفارهة والمطاعم والمؤسسات التابعة للسلطة أنشئت هناك، أمتار قليلة تفصل بين وزارات سيادية يروج أصحابها بأنهم حماة “المشروع الوطني الفلسطيني” وأكبر مستوطنات ومراكز جيش الإحتلال في المحافظة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: