Archive for 27 أكتوبر, 2015

صور الانتفاضة.. استعرض البهجة والحرية

27 أكتوبر 2015

GettyImages-494020002

نشر هذا المقال عبر موقع الترا صوت بتاريخ 24 أكتوبر 2015. يمكن مشاهدته عبر هذا الرابط.

منذ بداية تشرين الأول/اكتوبر الحالي تواردت إلينا عبر المواقع الإخبارية وشبكات التواصل الإجتماعي  الكثير  من الأخبار و التحليلات والتقارير الميدانية حول الأوضاع في الأرض الفلسطينية المحتلة. المئات من الصفحات الإخبارية والإعلاميين يعملون ليلاً ونهاراً لنقل الخبر من مناطق التماس بين الفلسطينيون المنتفضون وقطعان من المستوطنين وجنود الإحتلال الإسرائيلي.

إستفاد الكثير من الشبان من طفرة أجهزة الإعلام الحديثة، التي إنتشرت بشكل كبير في العقد الأخير بالمحيط العربي. حيث ساهم الإعلام الحديث بشكل ملفت للنظر في نشوء شريحة واسعة من “الإعلاميين الهواة”، لا يقتصر عددها على بعض مئات. بل تقدر بالآلاف. الآلاف من الناس ينقلون الاخبار والتقارير وما يجري على الأرض من وجهات نظر مختلفة عبر حساباتهم الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي، وآخرون عبر مواقع ناشئة خاصة بهم.  لتصبح حساباتهم مصادر إخبارية “موثوقة” للعيد من المواقع والصحف ذائعة الصيت. وبالرغم من التحفظات التي ترافق عملهم وتقاريرهم التي يقول أصحاب المهنة الأصليين أنها تفتقر للكثير من المعايير الإعلامية إلا أن الكثير منهم تخطى إعلاميين محترفين في مدى وثوق أخباره وسرعة نشره للخبر.

لم تكن ظاهرة الإعلاميين الهواة هي الوحيدة الملفتة للنظر. بل أن الملفت للنظر أكثر كان إبداعات المصورين الهواة أيضاً. سيل كبير من المصوريين طغى في العقد الأخير، بعضهم ينقل الصورة بحرفية عالية، حتى وإن كان لم يتلقى أي تدريب في هذا المجال، أو يتقاضى مقابل مادي كونه ليس مصوراً رسمياً للمواقع الاخبارية او الوكالات. هو مجرد هاوي يجول بجرأة كبيرة في مناطق المظاهرات والإحتجاجات بكاميرا ذات مواصفات عادية او بهاتفه المحمول معرضاً في الكثير من الأحيان حياته للخطر أو معرضاً نفسه للمسائلة لينقل لنا ما يجري في هذه المناطق لينقل لنا الصورة.

يمكن تسمية ما يجري الآن حرفياً بـ”عصر الصورة”، حيث تلعب الصورة دوراً مميزاً في نقل الأحداث ومتابعها في مناطق المواجهات، كونها تنتشر بشكل أسرع من الخبر، وفي أحيان كثيرة تغني عنه. حتى أن الصور الغير مباشرة التي يلتقطها الهواة في العادة في مناطق المواجهات تأسر الناس وتلقى تفاعلاً بهيجاً منهم في وسائل التواصل الاجتماعي.

شبان متظاهرون يحتفلون بعيد ميلاد أحد رفاقهم أمام جنود يطلقون الرصاص وقنابل الغاز قرب بيت ايل. آخرون يلعبون كرة القدم خلف دخان إطارات مشتعلة شمال بيت لحم. شاب يرقص الدبكة وهو يرمي حجر بمقلاع على جنود الاحتلال، وآخر كنوع من السخرية يحمل مسدس بلاستيكي ويصوب به نحو جنود الإحتلال. والعشرات من الفتيات يواجهن الإحتلال بالحجارة. كل هذه الصور والعديد غيرها أضافت للإنتفاضة طابع جميل، استقبلناها بالكثير من السرور والبهجة، وأجبرتنا على التعاطي مع المظاهرات بالكثير من التسلية. وأصبح الناس يتعاملون معها كإستعراض شعبي بهيج للإنتفاضة.

لم تكن الصورة الغير مباشرة وليدة اللحظة، ولا حتى استعراضنا البهيج لهذه الصور هو الأول، فالكثير من الصور التي كانت تصل من المناطق التي تشهد مواجهات بين السلطة والجمهور من حول العالم كانت تأسر الناس أيضاً. ربما البعض يتذكر صورة “رجل الدبابة” تلك الصورة الشهيرة لرجل صيني وهو يقف أمام مجموعة من الدبابات في إحتجاجات ساحة تيانانمن في العاصمة بكين عام 1989 محاولاً منعهم من التقدم. أو حتى تلك الصور التي وصلت إبان الاحتجاجات التركية من راقصين بملابس صوفية يواجهون بطش قوات الأمن ويضعون الكمامات على وجوههم. أو المظاهرات التي عمّت شوارع وميادين مصر لخلع نظام مبارك التي كانت مليئة بالسخرية التي اصبحت منهجاً متبعاً لمقارعة النظام. كل هذه الصور وغيرها كانت تنشر الفرح بين متلقيها. وكان الناس يتعاملون معها بنوع من الاستعراض الشعبي الممزوج بالسرور.

تعتمد الوكالات الاخبارية الرسمية في تقاريرها على الصورة الإخبارية المباشرة التي يلتقطها المصورين التابعين لها. ولا تعتمد في نشرها على الصورة الغير مباشرة بالرغم انها تنتشر بشكل أكبر وأسرع عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كون الأخيرة لا تعبر عن الواقع من وجهة نظرهم. دائماً ما يقول الإعلاميين المحترفين هذا الكلام. الواقع مغاير تماماً لما هو موجود في مشاهد الفرح هذه، فالواقع هنا في مناطق المواجهات مع الاحتلال يفرضه الاحتلال نفسه بكل وسائل القمع وأدوات الحرب المتاحة له.

لا اعتقد بأن الجمهور المتابع يغفل عن هذا الكلام، يعي جيداً بأن الواقع مغاير تماماً. وأن الواقع مليء بصور الشهداء والجرحى، وبالرغم من هذا نرى الجمهور يتعامل مع الصور الآتية من هناك بالكثير من البهجة. ولا يتوانى في التعبير عن فرحه في تداولها كإستعراض شعبي حتى وان كان للحظات معينة من الفرح، قبل ان تصله صورة أخرى مغايرة تماماً تعبر عن الواقع وتسلب منه هذه اللحظات.

سيتي إن.. من أبواب الانتفاضة الثالثة

23 أكتوبر 2015

56_36_10_10_10_2013

نشر هذا المقال عبر موقع الترا صوت بتاريخ 10 أكتوبر 2015. يمكن مشاهدته عبر هذا الرابط.

من أين تاتون بكل هذه الحجارة يا مروان؟. فلسطين مليئة بالحجارة، وإن إحتجنا نشتريها. هل تشترون الحجارة؟ كم تدفعون ثمن كل هذه الحجارة؟. لا ندفع ثمن الحجارة بقدر ما ندفع أجرة سيارات النقل التي تنقلها الى الشباب على خطوط التماس. كم تدفعون؟. نحن فقراء يا رجل، ندفع لهم 100 شيكل ونكتفي بنقلتين يومياً، واحياناً لا ندفع لهم، نطلب منهم مسامحتنا. “هذا ما قاله مروان البرغوثي لأحد الصحفيين في بداية انتفاضة الأقصى” في محيط فندق السيتي إن القريب من بيت إيل.

كانت رام الله صاحبة الوجهين في كل يوم صباح هكذا. كان التراكتور الأحمر يأتي يومياً في ساعات الصباح الأولى الى المنطقة الأشهر في رام الله فترة إنتفاضة الأقصى. وهي محيط فندق السيتي إن. ويُفرغ حمولته المليئة بالحجارة الصغيرة والمتوسطة الحجم، لا ادرى ان كانت هنالك معايير لدى سائق التراكتور في إختيار الحجارة. ولكنها كانت ملائمة لأيدي جميع الفتيان والشبان. يغادر السائق فوراً وكأنه أتم عمله على اكمل وجه. قبل قدومه كان الفتيان يأتون بـ “عجال الكاوتشوك” ويصنعون ساتراً منها ويغلقون الشارع. كانت عملية جلب الإطارات جميلة، العشرات من الفتية يقومون بدحرجة الإطارات على جوانب الطريق، الشارع مليئ بالفتية الذين يركلون الاطارات بأرجلهم لترتطم وتستقر خلف حاويات النفايات التي تغلق الشارع. هذا جميعه إستعداداً لقدوم المظاهرة المنطلقة من وسط البلد.

دقائق وتظهر الرايات. رايات ملونة. حمراء وصفراء وخضراء وسوداء وبيضاء. رايات تمثل جميع الحركات الفلسطينية. والاعلام الفلسطينية حاضرة أيضاً. تخترق المظاهرة سيارة تحمل دفعة جديدة من إطارات السيارات. تفرغ حمولتها في آخر نقطة. ويترجل أحدهم يسكب البنزين ويشعل النار ويغادر.

ليس كل من في المظاهرة يصل إلى آخر نقطة صنعها الشبان من إطارات الكاوتشوك، البعض كان يقف بعيداً ليشاهد. مثل السياسيين الفلسطينيين، كان معظمهم يأتي ويقف بعيداً عن نقطة التماس لكي يتصور ويقول انا هنا، ويدلي بتصريح يتصدر إحدى صفحات الجرائد.  واذا كان التصريح لوكالة أجنبية، يكون أفضل بالنسبة له. أيضاً العشرات من الرجال كانوا يقفون معهم. يشربون القهوة ويأكلون أحياناً “الكلاج”. أذكر هذا جيداً كانت عربات الخشب التي تبيع الحلويات والقهوة تأتي الى المظاهرات بشكل يومي.

بعد دقائق من إشعال الإطارات تأتي مجموعة من الجيبات الاسرائيلية. تقف بعيدة بأمتار عن الإطارات المشتعلة ويترجل الجنود لإمطار المتظاهرين بقنابل الغاز لإبعادهم. وإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين عند إلقاء الحجارة عليهم. الحجارة كانت في السماء كالمطر أيضاً. نادراً ما كان يتواجد المسلحون الفلسطينيون ونشطاء الكتائب بين المتظاهرين صباحاً. كانت عمليات اطلاق النار على الجنود تتم بعدما يغادر معظم الشبان. ربما لكي لا يكون هنالك خسائر بين المتظاهرين.

الفتيات كانت حاضرة في جميع المظاهرات التي كانت تحصل يومياً بالقرب من فندق السيتي إن. الكثير من الفتيات تأتي بسطل لنقل الحجارة للشبان. كانت عملية ممنهجة تملئ السطل من ذلك المكان الذي يتواجد فيه من يأتي ليتفرج على المواجهات وتمشي الى نقطة قريبة من الشبان وتفرغه على الأرض. لا ادرى ان سبق وساعدهم السياسيون في تعبئتها. ولكن البعض قال أن بعض السياسيين ساعده عندما اصيب بالإختناق بفعل الغاز. كان البصل هو العلاج لمعظم الشبان.

الشبان. كانوا معظمهم طلاب مدارس وجامعات. من كان يلقي الحجارة كان يحمل حقيبته المدرسية. البعض كان يطوي الكتاب الذي يحمله بشكل عامودي ويضعه في جيب بنطاله الخلفي. كان هذا المشهد هو السائد آنذاك. كثيراً ما شوهد طلاب يمزقون بعض الدفاتر لوضعها داخل إطارات السيارات للمساعدة في إشعالها. كان هذا المشهد مألوفاً.

لأكثر من عشرة أعوام مضت خرج محيط فندق “السيتي إن” من مناطق التماس بين الشبان وجنود الإحتلال. لنعود إليه مرة أخرى منذ بداية أكتوبر الحالي. هل من شيء تغير الآن؟. على مدى اسبوع نشاهد ما يحصل في محيط فندق السيتي إن. لتعود بنا الصورة الى أحداث الإنتفاضة الثانية. الفندق في مكانه والشبان والفتيان نفسهم. ولكن اجيال جديدة باتت تتعرف على المكان. الفتيات ما زالو يزودون الشباب بالحجارة، والإحتلال هو نفسه الذي يطلق الرصاص والغاز على المتظاهرين وينكل بهم. والفلسطينيون نفسهم الشهداء والجرحى. لكن، لا يمكن ان تعود الصورة كما كانت سابقاً. فالمسيرات لا أحد من رموز من الفصائل يتصدرها الآن. الصحافيون يبحثون عن الشبان لإلتقاط الصور لا قادة الفصائل. لا وجود لعناصر مسلحة تباغت الإحتلال وتطلق النار ليلاً. حتى التراكتور الاحمر لا يأتي الى هذه المنطقة. فالعشرات من المباني الفارهة والمطاعم والمؤسسات التابعة للسلطة أنشئت هناك، أمتار قليلة تفصل بين وزارات سيادية يروج أصحابها بأنهم حماة “المشروع الوطني الفلسطيني” وأكبر مستوطنات ومراكز جيش الإحتلال في المحافظة.