صندوق بريد: رسائل الى مريم 3

10576900_807386925968474_6043715761106058577_n (1)

الخميس، ربما تعلمين بأنه يوم إجازتي من العمل يا مريم. حتى اللحظة ما زال بعض المؤمنون حول العالم يحتفلون بذكرى ميلاد سيدنا المسيح. إستيقظت على صوت مولانا محمد عمران وهو يتلو ما تيسر من سورة الكهف. أغلقت التسجيل في لحظة كان يقول فيها عمران “وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً”.  على هاتفي الساعة العاشرة صباحاً. بالرغم من التعب وحاجتي الى النوم لوقت أطول إعتدلت على السرير. أشعلت سيجارة ونهضت بإتجاه النافذة لأرى ماذا حل في الدنيا من شدة نباح الكلاب ليلة أمس. لا تقلقي لا شيء سيتغير في تفاصيل هذا الكون. كعادتي السيئة أطفئت السيجارة بمجرى الشباك وتوجهت لأغسل وجهي. نظرت إليه في المرآة ضحكت ورثيت حظي السيء. وذهبت مسرعاً الى المطبخ لكي لا تفوتني جلسة الإفطار مع وفاء. بصدق يا مريم، لا أذكر متى كانت آخر مرة تناولت الإفطار معها. طوال الفترة الماضية يا عزيزتي كنت أعود من العمل في وقت متأخر جداً وفي معظم الأحيان تكون نائمة. أشفق عليها ولا أوقظها. إعتدت هذه الفترة على أكل الوجبات السريعة أو الباردة. من ثم أنام مباشرة دون الإستماع الى الموسيقى حتى. لا أبالغ إن قلت  بأن حياتي أصبحت رتيبة بشكل مفجع، أشبه بحياة فقمة عجوز تعايش الملل. تتمدد على السرير في محاولة لسماع الموسيقى فيغلبها النعاس وتنام. تعمدت وفاء قبل هذا  أن تعلمني تحضير الكثير من الوجبات السريعة. لذيذة؟ ربما، لكن ليست بلذة الوجبات التي تصنعينها. إبتسامة وفاء مع إنسجام ضوء الشمس على خدها الأيسر وهي تحدثني عن أشياء كثيرة حصلت طيلة الاسبوع هو ما يهون علي كل هذا التعب يا عزيزتي.  طلبت منها تحضير الشاي بالليمون حيث أعاني من كحة شديدة كالمعتاد. الى حين تصفح بريدي لعلي أجد رداً منك على رسائلي اللعينة هذه. ببؤس. أدركت بأن لا شيء جميل ينتظرني هذا العام. ها قد عرج الشهر الأول منه وحتى اللحظة لم أجد تفسيراً واضحاً لما يحدث. أرسل لكِ الكثير من الرسائل وأدرك تماماً بأنك تقرأينها ولكن لا تجيبين. غيابك جعلني مشوشاً. هل تدركين ذلك يا عزيزتي؟. صدقيني يا مريم. سيكون أمراً عظيماً إذ ما أرسلتي أي رد حول هذه الرسائل حتى وإن كان لأمر سيء يحدث لكِ.  حل المساء سريعاً هذا اليوم. ارتديت ملابسي وغادرت المنزل في تمام السابعة. جلست في سيارة الأجرة فوجدتك بجانبي صامتة كالعادة. أدار السائق مؤشر الاذاعة ليحل صوت ام كلثوم في لحظة قالت فيها “والعمل ايه العمل ما تقولي اعمل ايه، والأمل انتا الأمل تحرمني منك ليه؟” نظرت اليكِ مبتسماً دون أن تعيري أي إهتمام. فبدأت أردد مع الست في نفسي “بيني وبينك خطوتين شوف بقينا ازاي، انا فين ياحبيبى و أنت فين”. نظرت  إليكِ مرة أخرى لأرى إبتسامة ولمعان في عينيك كأنكِ تعرفين ماذا يردد عقلي. شجعتني ابتسامتك لأقول: طيب والعمل؟ تحرمني منك ليه؟. نزلت من السيارة وألقيت نظرة أخيرة عليها قبل أن تغادر. صحيح يا مريم كانت فارغة من الركاب تماماً. تقولين في نفسك خيالات؟ إذاً سأخبرك سراً: حاولت ذات ليلة أن أحادث الله. تخيلي!. السماء أحادية اللون. سُلم ذو درجات قديمة كالأزل. صعدت فشاهدت. الخائفون من الصعود لكي لا تتعثر اقدامهم. كانوا مغمضو العينين. أظن بأنهم هكذا أمروا. الطامعون في الوصول بسيرهم الحثيث، خطاهم ثابتة يا عزيزتي. من توقف في منتصف السلم ولم يكمل الصعود، بدا لي بأنهم تعثروا ولكنهم لم يسقطوا. من حاول إخفاء دمعه ومن كان شديد البُكاء. من عايش الفراق دون أن يحظى بفرصة أخيرة للوداع. الطامعون بفرصة أخرى يا مريم. ومن يسأل عن امكانية الرجوع. والهاربون من رحمة من أحبوا لرحمة الله. الصامتون المعتبرون مما حدث. والمتألمون لما يحدث. الثَكالى المَفْجُوعين بالفراق. أنهكتني الخُطى يا حبيبتي. حيث لا أحد يصل، ارْتَعِد فأدرك بأن لا سبيل للوصول. أعود مسرعاً لأرى وجهك يتشكل من بخار أنفاسهم. ماذا كنت اريد من الله؟ اريد ان أسأله عن الحب!. ما الحُب يا مريم. ما الحُب؟. وأنا أكتب لك الآن يا مريم أتذكر كيف كنتِ تصرين على الجدال معي لأمور كنت أظنها تافهة. أسماء أطفالنا. تولين! بربك من أين جئتي بهذا الإسم؟. أين سنسكن، بالقرب من منزل وفاء ام لا؟. الطريقة التي سأحلق بها شعري وذقني. الأفضلية لمباراة كرة قدم ام برنامج اغاني. كم مرة ستزورين امك في الشهر. نوع ثيابك الداخلية في ليالي الصيف. كل هذه الأمور وغيرها كنا نختلف حولها يا مريم. دائماً ما كنتِ تقولين هذا. ونحن الآن على الأقل ودون أن تدركي نتفق سوياً على الغياب. كم أجد نفسي سخيفاً يا مريم وأنا أكتب لكِ عن كل هذه الخيالات التي تملأ فجوات عقلي. ولكن لا تدركين كم سيكون هذا العام عظيماً اذا ما أرسلتي رداً ولو بكلمة حول هذه السخافات. الفقمة العجوز باتت تدعوا ربنا الذي في السماء، رب الطيبين ومنير درب الصالحين أمثالك أن يحفظك من كل سوء حبيبتي.

Advertisements

الأوسمة: , ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: