Archive for 11 أكتوبر, 2014

صندوق بريد: رسائل الى مريم 1

11 أكتوبر 2014

10576900_807386925968474_6043715761106058577_n (1)

العزيزة الطيبة مريم. مر الوقت ثقيلاً حتى حل هذا المساء، انتظرت كثيراً لعل شيء جيد يحصل لأخبرك عنه. لا شيء حدث. المسلمون في أنحاء العالم يحتفلون بعيد الأضحى. وأنا أحتفل بألم شديد في صدري. وفاء أخبرتني ربما تكون “لفحة هوا”. كوني خرجت اليوم صباحاً بعد استحمامي بالماء البارد. لماذا الماء البارد؟ لا أعلم. تذكرين ذات مرة عندما أخبرتني ان النساء دائماً ما يصلون في سرهم من أجل أحبائهم؟ هل نسيتِ صلاة الأحبة؟. وإلا لماذا كل هذا الألم؟. لست أقول هذا لكي تحزني عليّ. أكتب لكِ لأقول بأن حياتي أصبحت رتيبة، رتيبة الى حد الملل. أصبحت إنسان مثل ملايين البشر. أخرج في الصباح إلى العمل. أعود في وقت متأخر لأتناول القليل من الطعام وأستمع الى بعض الموسيقى وأنام لأستيقظ في الرابعة فجراً. هو الوقت المناسب للإستيقاظ. وقت تقليد القطط لصوت الذئاب في الشارع. ينكسر به الصمت المُنتشر. أو استيقاظ الذاكرة المختزنة. أفكر في الناس من حولي، الطيبون في الغالب. وكيف معهم أشعر بأن الحياة مملة. أتذكر ذلك الشتاء الجميل الذي مرّ قبل 6 سنوات. وسعينا قبل عام للخلاص. أفكر في كل هذا وأنا احدق في الكمبيوتر المفتوح على بعض المواقع، وأنسى بأني أستمع لسيد درويش بصوت مرتفع ربما يوقظ من هُم خارج الغرفة. أتسائل كيف لي أن احب هذا الصوت الأقرب الى النشاز. بربك يا مريم كيف نطرب عليه؟. أنظر الى كوب القهوة بإهتمام أطفئ به السيجارة وأنتظر أمر ما ليحدث، لا شيء يحدث. أفكر في الكتابة عن أي شيء. لا أستطيع. أستمع لما تيسر من سور القرآن على مقام النهاوند بصوت مولانا محمد عمران لعلي أرتاح. ينتابني شعور غريب بأني اصبحت افقد بعض مواهبي. هل إبتعادي عن الكتابة والقراءة أصبح أمر مربك الى هذا الحد يا مريم؟. أعرف بأن لا شيء مهم هنا يا مريم. حاولت قبل ثلاثة أشهر أن أكتب رسالة مُعايدة بمناسبة عيد ميلادك. نعم فشلت، لم أستطع الخروج من أولها. قبل أن أنسى، مرت سنة يا مريم. أكتوبر هو ذكرى أليمة ذكرى سقوط صرح الخيال. فقط كوني بخير إلى أن أكتب لكِ مرة أخرى. إن إستطعت.

كُتبنا التي خلقت داعش

11 أكتوبر 2014

ذات مرة. وتحديداً في عام 2008. نَشر أحدهم رسومات مُسيئة للإسلام، وصور الإسلام آنذاك على أنه دين يحض على العُنف، وأفراده يُمارسون “الإرهاب” سواء من خلال القتل والإعدامات، او التصريحات التي تدعوا الى الكراهية. إنتفض العالم الإسلامي آنذاك إحتجاجاً، من جاكرتا حتى الرباط. وبشكل فعلي صاحب هذه الإحتجاجات أعمال عُنف وشغب طالت تدمير وإحراق العديد من المؤسسات التابعة للغرب، حتى الكنائس حُرقت في ذلك الوقت. رُبما يقول البعض بأن هذا جاء بدافع الغيرة على الإسلام، أنه دين محبة وليس كما صُور في تلك الرسومات على أنه دين عنف وكراهية. اليوم، وبعد 6 سنوات. بُعث الى دُنيانا جماعة من “الأوباش” تبنت ذلك التصور. التصور الذي انتفض المسلمون وأقاموا ضده المسيرات والمؤتمرات حول العالم. وتبنت هذه الجماعة الإسلام الذي صُور على أنه.. دين العُنف، والكراهية، والحقد، والإرهاب، والقتل على أساس العرق والدين واللون والمزاجية. ولكن، ويا للمفارقة لم تنتفض أي من الدول ما بين الرباط وجاكرتا مجدداً. بل أن حجم الرفض لهذه الجماعة  في العالم الإسلامي أجمع كان خجولاً ولا يتعدى بعض التصريحات من قبل مسؤولين.

بشكل فعلي. يٌمكن إعتبار داعش عُصارة كل الحركات الجهادية السلفية التي بحثت وحاولت مُجتهدة لإقامة دولة الخلافة المفقودة. أو يمكن إعتبارها أكثرهم نجاحاً في المضي قُدما نحو هذا الطريق. ونجاحها هذا يُحسب لكونها وبشكل حقيقي إستطاعت على الأقل -حتى الآن- إقامة دولة خلافة في مناطق شاسعة لا تبعد كيلومترات قليلة عن ديار الحجاز. لماذا ديار الحجاز؟. مناطق شاسعة تًعادل مساحتها مجموعة من الدول الصغيرة. رُبما نجاح داعش هذا الذي فشلت فيه كل حركات السلفية الجهادية من قبل، حتى أكبرهم “طالبان والقاعدة” يُحسب لكونهم أقاموا دولة الخلافة في المنطقة التي  “نبت” فيها الإسلام قديماً. بالإضافة لكون من خلق هذا التنظيم ليسوا أُناس سلفيين أو جهاديين عاديين، بل بالمعنى الحقيقي هُم “خُبراء” أصوليين، تخرجوا من السُجون العراقية التي كانت لهم بمثابة أكاديميات وجامعات تعلموا وثقفوا التطرف فيها حتى لحاهُم. وما زاد نجاحهم. كون مُعظمهم عسكريون يتبعون لُعهدة النظام العراقي السابق وسُجناء لدى نظام المالكي سابقاً.

لم تُحقق داعش هذا النصر والتقدم العظيم والإنتشار فقط من خلال ما ذُكر آنفاً. ليس فقط من خلال ما وُفِرَ لها في أكاديميات التطرف. أو لسبب ظروف البلدان الامنية التي تتوسع فيها الآن. بل هنالك عامل آخر أكثر من كل هذا أهمية. ولأن تنظيم الدولة نبت في “أرض العرب” كان هذا جميعه نتيجة منهاج التربية الإسلامية الذي يُدرس في مدراسنا من الصفوف الأولى حتى صفوف الرُشد. حيث يُشكل منهاج التربية الإسلامية في المدارس “وفي أرضنا المُقدسة أيضاً” بنية خصبة لخلق الإنسان الداعشي. فمن يتعمق في منهاجنا الدراسي هذا، يرى فيه آلية واضحة لخلق التطرف وبناء الإنسان الداعشي. بدايةً من تلك الرسومات التي توضع في الكُتب لأطفال الإبتدائي، وصولاً لعيقدة “الولاء والبراء” والنُظم الإقتصادية الإسلامية الوهمية التي تُدرس لصفوف الثانوية العامة. إن تعمق الطالب الدارس لهذا المنهاج وتعامله مع هذه المادة كوسيلة علم حقيقية ودراستها بايمان من المؤكد ستصنع منه انسان متطرف لا يختلف كثيراً عن الدواعش في العراق وسوريا.

يُمكن القول بأن داعش تُشكل الآن تحدي لجميع الحركات السلفية الجهادية حول العالم. حتى أبعد من ذلك، أجزم بأن العديد من الحركات السلفية تتمنى بأن لا تتوسع داعش أكثر مما هي عليه الآن. كون داعش بعظمتها وتوسعها وعتادها، تُشكل بالنسبة لهم “إنتهاء الحُلم” حول إنطلاقتهم نحو مجد جديد للبحث عن الخلافة مجدداً.  فالسلفية الجهادية مُستقبلاً إن أرادت أن تنطلق في مرحلة ما. مرحلة ما بعد داعش. سيكون أمامها تحدي كبير قبل ان تخطو خطوتها الأولى، فهذا سيحتم عليهم القفز بخطوة أكبر من تلك التي قفزتها داعش. وبتوسع أكبر من تلك المساحة. وإن إختارت داعش ان تنطلق بدولتها من منطقة منبت الاسلام والتي لا تبعد سوى كيلومترات قليلة عن مكة المكرمة. سيُحتم على أي سلفي جديد ان يُفكر بأن ينطلق مما انتهت منه داعش. ولكن ليس في العراق والشام بل من مكة نفسها، وهذا التحدي الأكبر. الى ذلك الحين نحن فخورون بأننا ندرس التربية الإسلامية في مدارسنا من أجل العلامة فقط، وفخورون بأننا بعيدين كُل البعد عن كتابات البخاري ووالولاء لإبن تيمية.