Archive for 28 مارس, 2014

لماذا لا أذهب الى المسّجد؟ “علاقتي المُلتبسة”.

28 مارس 2014

صورة
علاقتي بالمسجد كانت وما زالت علاقة ملتبسة. بكل صراحة. لا أذكر متى كانت آخر مرة دخلت فيها المسجد. حيث كانت منذ سنوات طويلة جداً. في مرحلة دراستي الأساسية كنت أزور المسجد على الدوام. ليس بغرض الصلاة بقدر الإستفادة من المكتبة التي تعلوه. ولكن توقفت حتى عن زيارة المكتبة بعدما تكررت امامي مشاهد الإستغلال. ومشاهد الإستغباء الذي يمارس على الفتيان من القبل الشيوخ.

ذات مرّة طلب مني أمين المكتبة وهو نفسه مؤذن المسجد ومعلم الرياضة في مدرستي المشاركة في رحلة ينظمها المسجد نهاية الأسبوع. فوافقت. أذكر جيداً ذلك اليوم. حيث تم تجميع المشاركين في تلك الرحلة صباحاً. وعمل أحدهم لأكثر من ساعة على تلاوة الارشادات وما أسماه “القيم الإسلامية” المتوجب التقيد بها. كنا نقف في الشارع بإنتظار الحافلة التي ستقلنا. وكنت مستغرباً من توزيع الاعلام والرايات السوداء والخضراء على المشاركين. وكانت المصيبة بأننا سنذهب سيراً على الأقدام. والمصيبة الأكبر أنها لم تكن رحلة بقدر ما كانت نوع من الدعاية الجماهيرية تمارسها الحركة الاسلامية في تلك الفترة. العشرات من الأطفال يحملون الأعلام الخضراء والسوداء. ينطلقون من مخيم الأمعري للاجئين نحو أحد مسابح مدينة رام الله. دون أي وعي أو إدراك بما يفعلوه. جُل همهم الوصول الى مكان الرحلة. ولكنه في نفس الوقت مردوده كبير لدى الحركة الإسلامية.

بسبب صغر سني في تلك الفترة لم أعي أن هذه الرحلة ما هي الا دعاية رخيصة من قبل الحركة الاسلامية. ولكن في نفس الوقت كنت على علم ببعض أساليب الشيوخ والتي كانت تمارس على الطلبة في المدرسة. ولذلك بخبث. تعمدت أن أحمل إحدى الرايات. حيث إستخدمتها في مسح يداي ووجهي الذي كان يتصبب عرقاً من مسافة الطريق. بعدما أدركت أن القائمين على الرحلة عملوا على إختيار الطريق الاطول. وهي الإنطلاق من باب المخيم الأمامي نحو مركز المدينة ومن ثم الاتجاه نحو مسبح فُندق كازابلانكا. حيث كانت الرحلة. بالرغم ان المسافة من باب المخيم الخلفي والفندق لا تتجاوز الـ 10 دقائق مشياً على الأقدام. وبهذا تجلت معالم الرحلة الدعائية للحركة الاسلامية التي إستمرت ساعة. ويا خسارة الرحلة.

 بعد هذه الحادثة بفترة طويلة نسبياً. ذهبت مع والدي الى نفس المسجد. وهو المسجد نفسه الذي هُدم وتم إعادة بنائه “وما زال” أكثر من 10 مرات للتوسعة بشكل مباشر وللسرقة بشكل آخر. وبصدق. لم أدخل وبقيت أنتظره في الخارج. وكانت الخطبة عن افلام الكارتون وتأثيرها على الاطفال. والتحذير من مضمونها. وبعد انتهاء خطبة الجمعة وزع عَصافير الحركة الاسلامية – الأطفال التي تعتمد عليهم الحركة- على المصلين ورقة. فأعطاني إياها والدي بعدما خرج وكان يبتسم ساخراً. اذكر كل ما كتب في تلك الورقة حتى يومي هذا. حيث كانت من أغبى ما قرأت في حياتي.

عن ماذا كانت تتحدث الورقة؟. تخيل معي يا عزيزي ان أبرز شيوخ المنطقة قد إجتهد. وفسر معنى “البوكيمون”. نعم. هو ذاته البرنامج الكرتوني الشهير. وكان مضمون الورقة بأن البوكيمون ما هو إلا مؤامرة على الإسلام والمسلمين. ولم يكتفي بذلك. بل وضع تفسيرات لعشرات الأسماء من البوكيمون. والمصطلحات المستخدمة فيه. إن لم تخني الذاكرة . أوضح الشيخ أن إسم  “بيكاتشو” في المسلسل الكرتوني يُقصد به الإشارة إلا ان لا خالق في الكون. و كلمة “سكويرو” ما هي الا دعوة صريحة لعبادة الأوثان. وكانت هنالك دعوة صريحة للأباء بمنع أطفالهم من مشاهدة هذا المسلسل الكرتوني. الذي كان ذائع الصيت في بدايات ظهوره على شاشات التلفاز. تخيل يا عزيزي. خطبة جُمعة كاملة عن “البوكيمون”. وتنتهي بطلب تبرعات للتوسعة ومن ثم توزيع أوراق غبية.

الكثير من المواقف التي أتذكرها منذ طفولتي وترتبط بالمسجد. والتي كانت سبباً في إبتعادي لسنوات طويلة عنه. وحتى يومنا هذا. ربما ذكرت البعض منها سابقاً وكيف كانت تستقطب الحركة الاسلامية الأطفال من خلال تكفيرها “بشكل مباشر” لباقي التنظيمات والتيارات الفلسطينية. وسأذكر الكثير لاحقاً. ولكن أمس سمعت أحد شيوخنا يتحدث عن سخافة المصريين في تحويل كلام دمية كرتونية على أنه مؤامرة.  فأحببت يا عزيزي أن أقول لك بأننا سبقنا المصريين في تفاهاتهم الإعلامية. وتفسيراتهم لـ “ابلة فاهيتا” التي ظهرت في دعاية شركة إتصالات كدمية وتصرف معها مُعظم المصرين على أنها مؤامرة تُحاك ضدهم.

شعبنا يا عزيزي مليء حتى يومنا هذا بأولاد المرّة الوسخة. فأرضنا المُقدسة لم تتوانى للحظة في ولادة هذه الأشكال. لا ادرى كيف إستحملت هذا. ولكنهم متواجدون بكثرة في أماكن عباداتنا. مساجدنا يا عزيزي لم تكن يوماً للعبادة بل كانت لتغييب عقولنا وزرع الغباء فيها. وشيوخ اليوم في فلسطين الذين يتحدثون عن “قلة عقل” المصريين. يتناسو بأنهم أغبى من أقرنائهم هناك. هذا هو شعبنا. وهذه هي أماكن عباداتنا وما تحويه من قاذورات بشرية. وإن كُنت تنسى او تتناسى يا عزيزي. هنالك من لا ينسى.

 

Advertisements

أصدقائي المُستمعين. أيُها السادة. سيداتي وسادتي.

16 مارس 2014

صورة
في ناس بتحب تسمع الأغنية فقط. دون زيادات. وفي ناس بتهتم بتفاصيل الأغنية. من حيث الكلمات والألحان. وفي ناس بتهتم بتفاصيل التفاصيل. من حيث تقديم الاغاني والمُطربين للجمهور. أحياناً أشعر بأن طريقة تقديم المُطرب للجمهور في الحفلات من خلال عريف الحفل يُعبر عن القيمة الحقيقية للحفل ومستواه. حتى أني مقتنع بأن طريقة التقديم تؤثر على آداء المُطرب.  عندما كانت السيدة أم كلثوم تُغني في سوريا. كان يتم تقديمها للجمهور بطريقة جميلة. أجمل من تلك التي تُقدم فيها بمصر. فلذلك من أروع تسجيلات السيدة أم كلثوم – من وجهة نظري- هي تسجيلاتها في سوريا.

ذات مرة وفي سوريا تم تقديم السيدة أم كلثوم للجمهور قبل أن تبدأ في الغناء على النحو التالي:” إذاعة الجمهورية العربية المتحدة من دمشق. أصدقائي المستمعين. من مسرح معرض دمشق الدولي نحييكم. من عالمنا الصغير. من المدينة الحلوة الجميلة. من صفاء الليل ومن هدوءه. من بُحة ناي. من رعشة وتر. من همسة حُب دافئة. من خفقة قلبٍ حرى. من طلة القمر الوسنان الحالم. يرنو بطلعته المتألقة. ينعكس في العيون صفاءاً ويبسِمُ نوراً وضياءاً. من مسرح معرض دمشق الدولي نحييكم أصدقائي المستمعين. مع كوكب الشرق ام كلثوم”. – انتهى التقديم.

 بعد هذا التقديم ما كان على كوكب الشرق إلا أن زادت الليل صفاءاً. وما لبُثَ بصوتها إلا أن ضاجع طبلة آذاننا. وفض غشاء بكارتها. عندما تلت على مسامعنا مقطع واحد فقط من القصيدة التي كتبها بيرم التونسي. مقطع واحد كررته طيلة خمس دقائق. تقول فيه “أهل الهوى يا ليل. فاتوا مضاجعهم. وتجمعوا يا ليل. صحبة وانا معهم”.

أم كلثوم ليست الوحيدة التي قُدمت بطريقة زادت من روعة تسجيلاتها التي وصلتنا من سوريا وغيرها. فالمنشد الشيخ ياسين التُهامي من مصر دائماً ما يُقدم الى الجمهور بطريقة تزيد من روعة تسجيلاته التي تصلنا من المحافظات المصرية المختلفة. الشيخ ياسين التُهامي من أعظم المُنشدين الذين مروا على تاريخ البشرية جمعاء. صوته العذب في مديح المولى عز وجل ورسول الله مُحمد الأمين. تُشعر الإنسان بأن جنان الرحمان في إنتظاره. هذا الشعور الجميل والخيالي بعض الشيء يأتي للإنسان وكأن الجنة على إستعداد لإستقباله إلى أن يُنهي الشيخ إنشاده.

ذات مرّة في محافظة أسيوط المصرية. قُدم الشيخ ياسين التُهامي للجمهور من قبل القائمين على الحفل على النحو التالي:” بسم الله الواحد الأحد. بس الله الفرد الصمد. الذي لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفواً أحد. أيها السادة. في هذا اللقاء الجميل. المبارك. كعادتهم السنوية أبناء الشيخ سيد العارف بالله. الشيخ أحمد الطوابي. في الطوابية – مركز الفتح محافظة أسيوط. اليوم. الخميس الموافق الخامس من سبتمر 2013. التاسع والعشرون من شوال 1443 هجرية. والآن مع الإبتهالات الدينية. والإنشاد الديني. والمديح في رسول الله صلى الله عليه وسلم. من أمير الملتحين. وشيخ المنشدين. مع المُبتهل الكبير الشيخ ياسين التُهامي”. – إنتهى التقديم.

ليس بالضرورة أن تكون متديناً لتُحب الشيخ التُهامي. كثيرون هم من ينتظرون المناسبات الدينية لسماع شيخ المنشدين بشكل مباشر. يذهبون الى مكان وجوده من أقصى مصر لسماعه. وانا من هؤلاء الذين ينتظرون كل جديده ولكن كتسجيلات صوتية بسبب البُعد الجغرافي. بطبيعة الحال. لَن يفهم البعض محبة الكثير لأمير المُلتحين إلا أن يسمع الشيخ للمرة الأولى وهو يُنشد ” قلبي يُحدّثُني بأنّكَ مُتْلِفي” سيدرك تماماً سبب هذا الحُب. ويتجلى حبه للشيخ عندما يُنشد كلمات كتبها “سلطان العاشقين”. الشاعر المتصوف إبن الفارض ” فَلَئنْ رَضيتَ بها، فقد أسْعَفْتَني؛ يا خيبة المسعى إذا لمْ تسعفِ يا مانِعي طيبَ المَنامِ، ومانحي ثوبَ السِّقامِ بهِ ووجدي المتلفِ عَطفاً على رمَقي، وما أبْقَيْتَ لي منْ جِسميَ المُضْنى ، وقلبي المُدنَفِ فالوَجْدُ باقٍ، والوِصالُ مُماطِلي، والصّبرُ فانٍ، واللّقاءُ مُسَوّفي “.

هنالك الكثير من التقديمات للمُطربين والمُنشدين في أنحاء مختلفة من العالم. وربما بالنسبة لي تقديم أم كلثوم في سوريا من أجملهم. وفي سوريا أيضاً. غنى ذات مرّة الفنان السوري دُريد لحام. الشهير بـ”غوار” أغنية “يامو”. الاغنية التي يحفظها الجميع. قُدمت بطريقة جميلة أيضاً. والجميل أن تسجيلات الأغنية الموجودة حتى الآن مرتبطة بذلك التقديم. وكأن التقديم هو جزء من هذه الاغنية. والجميل أكثر. أن من يريد ان يغني هذا الأغنية من العُموم. يتلو التقديم قبل أن يبدأ. فَقُدم غوار على النحو التالي:” سيداتي وسادتي. ختاماً لهذا الحفل الساهر. أبو المقالب الدائم غوار الطوشة يقدم أغنية ويهديها الى أمه الحنون. وهي بعنوان: من السجن with love”.