هل تشكل الإنتخابات حلاً لمشاكل غزة؟

صورة
إن موضوع الحكم في غزة معقد الى أبعد مما نتخيل، ولا اعتقد ان عودة الوحدة الوطنية أو حتى إسقاط حكم حماس من غزة سيكون حلاً لمشاكل غزة وما تعانيه الآن إطلاقاً. فالمشكلة في غزة ليست مشكلة “حكم سياسي” تقوده فئة بعينها كما يظن غالبية أفراد الشعب الفلسطيني او حتى كما يصورها المحللين السياسيين ورموز القيادة في رام الله. وشعارات عودة اللحمة الوطنية وإجراء الانتخابات من أجل إنقاذ غزة من كوارثها ومشاكلها شعارات واهية، محددات المشكلة أبعد من هذا بكثير.  والقول انه يمكن معالجة مشاكل غزة من خلال اتفاق فلسطيني او حتى عودة السلطة لحكم غزة سواء عبر صندوق الانتخابات او غير ذلك أمر غير منطقي صدقاً. كون عودة حكم السلطة سيفاقم المشكلة ولن يعمل على حلها من وجهة نظري. فمن ناحية معايير القوة على الساحة الفلسطينية لم تتغير حتى الآن، فما زال القطبين الرئيسيين في فلسطين “فتح-وحماس” هما القطبين المسيطرين على السياسة الفلسطينية منذ عقود بالإضافة الى كونهم أصحاب القوة المطلقة في هذا المجال. فحتى مع إنتكاسات التنظيم الدولي للإخوان إلى أن إنتخابات مجالس الطلبة والاتحادات الشعبية ما زالت تشهد صراع فتحاوي-حمساوي، حتى ولو تراجعت حماس في انتخابات المجالس قليلاً إلا ان تراجعها هذا من وجهة نظري يعزى الى “تحركها الحذر في الضفة”. وهذا يعني بلغة العقل أن أي انتخابات قادمة لن تغير من الواقع شيء وسيتم خلق نفس النظام السياسي ولكن هذه المرّة سيكون النظام صاحب “شرعية إنتخابية”.

تحدثت في أكثر من مناسبة أنه من الخطأ إعتبار حماس حركة مشايخ ورجال دين ومن الخطأ أيضاً تصويرها بذلك ومن الخطأ القول بأن جميع مشاكل غزة بسبب هؤلاء المشايخ. حماس تأسست كحركة إجتماعية أيضاً بجانب طابعها الديني. ففيها رجال دين وفلاحين وطبقة برجوازية “صغيرة” وشريحة واسعة من رجال الاعمال الذين يؤمنون حتى بالإقتصاد الرأسمالي كغيرها من التنظيمات التي لا ترفع شعار إسلامي. وربما نذهب أبعد من ذلك من خلال القول بأن حماس تخطت الأحزاب الأخرى من خلال تأصلها المدروس بداية التسعينات في المجتمع الفلسطيني “على طريقة الاسلاميين المعتادة” من بناء شبكات اصلاحية ورياض أطفال وجمعيات وحل المشكلات الاجتماعية من خلال ما يعرف برجال الاصلاح وتجنيد الفتيان عبر المساجد في فترة كانت فيها حركة فتح منشغلة بالسلطة واليسار يصارع نفسه وهذا خولها بأن تتغلغل بشكل مكثف في جميع مكونات المجتمع الفلسطيني.

من ناحية أخرى والأهم من وجهة نظري. أن حماس تمتلك مصدر قوة الآن في السياسة الفلسطينية وبسبب ما يسمى “الصراع مع الاحتلال” وإرتباطات الحركة الخارجية خصوصاً إرتباطها الوثيق مع ايران خولها أن تبنى “مؤسسة عسكرية متكاملة الأركان” وذات تسليح متطور وعالي الجودة وشخوص مدربة تدريب عالي المستوى. وهذا الميزة التي تمتلكها لم يسطع أي حزب سياسي فلسطيني تحقيقها. فلذلك لا يمكن لأي متابع فلسطيني يبتعد عن لغة العاطفة ويحكم عقله إنكار قوة حماس العسكرية، حيث تخطت قوتها العسكرية مفهوم الاجنحة العسكرية والمجموعات المسلحة العشوائية وطغى عليها شكل المأسسة المنظمة. حتى ومع تعرض قوتها العسكرية الى تآكل في بعض الأحيان. إلا أن ذلك يعد بالنسبة لها ورقة رابحة وورقة قوة تراهن عليها إن أرادت مواجهة أي خصم لها على الصعيد الداخلي. أو حتى في مفاوضاتها في الداخل على الحكم القائم.

أجادل دوماً بأن الانتخابات الفلسطينية لن تكون حلاً بأي شكل من الأشكال. بل ستعمل على تفاقم المشكلة بسبب ما ذكرت من العوامل. وستعمل الانتخابات على إعادة نفس النظام لحكم غزة ولكن بشرعية الإنتخابات هذه المرّة. كما وأي حل آخر عسكري أو ثورة شعبية وجماهرية وما شابه لن يجدي نفعاً في حالة غزة. فحماس لن تتواني للحظة بأن تدافع عن حكمها هناك وهي لن تتوانى بإستخدام العنف والقوة المفرطة. فهي لديها وسائل لإستخدام هذا العنف اذا لاحظت أن هنالك خطر يهدد وجودها. وربما سبب فشل أي حراك شبابي أو جماهيري في غزة كون الجميع يعي أن حماس مارست العنف بشكله الممنهج في قمعها للعشائر والعائلات المتنفذة في القطاع في بداية حكمها. وقتلت العشرات من هذه العائلات لمجرد أنها شعرت بأن هنالك ما يهدد بسط سيطرتها ونفوذها على القطاع. فماذا لو شعرت ان هنالك حراك يريد أن يخلق حالة من اسقاط حكمها؟. ستكون النتائج غير معقولة ربما. وربما حركة فتح نفسها تخشى الدخول في هذا النفق المظلم، وتخشى الصدام مجدداً مع حماس.

عملت حماس إبان سيطرتها على غزة على خلق واقع إجتماعي جديد مغاير تماماً لذلك النمط الذي كان سائداً قبيل فترة حكمها. ومن خلاله إستحدثت نمطاً للضبط والتحكم على الصعيد السياسي. حيث إستطاعت من خلال هذا الواقع على إستيعاب العديد من الفئات الإجتماعية المستفيدة من حكمها، وهي الفئات نفسها التي كانت قائمة قبل سيطرتها على القطاع. وعملت في نفس الوقت على خلق فئات جديدة من خلال المال السياسي الوفير الذي كان يصلها من قطر وايران وتجارة الأنفاق التي كانت تعود عليها بمردود مالي ضخم أيضاً. وأبعد من ذلك نجحت بدون أدنى شك في خلق مجتمع قائم إقتصادياً على المشروعات متناهية الصغر التي يديرها أفراد تابعين للحركة أو مقربين منها. وشكلت لها هذه المشروعات قيمة كبيرة بجانب الدعم الخارجي حيث وصلت قاعدتها الوظيفية الى أكثر من 42 الف موظف. وأضفت إليها هذه القاعدة الوظيفية تأييد كبير حتى من تلك الفئات التي عملت على إسترضائها والتي كانت متواجدة فعلاً قبيل حكمها. فلذلك نجد أن شريحة إجتماعية واسعة جداً في القطاع تريد أن يبقى الوضع على ما هو عليه الآن دون أي تغيير. فهذه الشريحة تبحث عن الاستقرار في المقام الاول وتخشى من مغبة حدوث إختلال وشرخ عميق يضرب أركانها في حالة إعادة الوضع الى ما كان عليه قبل عام 2007.

أخيراً. إن غياب أي قوة فلسطينية أخرى تضاهي قوة حماس يجعل من تغيير الوضع القائم في قطاع غزة أمراً صعباً إن لم يكن مستحيلاً. ومع وجود تلك العوامل والأوراق التي تمتلكها حماس والتي تراهن عليها وخوف التيارات الإجتماعية التي خلقتها حماس وتلك التي عملت على إسترضائها والتي كانت قائمة بالفعل من المجازفة بتغيير الواقع الحالي في القطاع يجعل موضوع الحكم في غزة أكثر تعقيداً. ففتح بقاعدتها الشعبية الواسعة وبرفقة فصائل منظمة التحرير لا تمتلك تلك الأدوات التي تمتلكها حماس في حكمها الآن.إذن ما الحل؟. وهل يمكن أن يكون أي حل قادم جدير بإنهاء بنيوية حركة حماس المتأصلة في المجتمع والتي لا يمكن إنكارها؟. ربما لا. وربما إن خلقت الحالة الفلسطينية مشروع سياسي جديد قادر على المضي قدماً لتحقيق تطلعات الكل الفلسطيني يخلق حلول لهذه المعضلة الكبيرة. المعضلة الأكثر تعقيداً.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: