Archive for 24 فبراير, 2014

رسالة من القلب إلى جميع الأصدقاء.

24 فبراير 2014

arton1175

في الحقيقة. حاولت أمس أكثر من مرّة كتابة رسالة مَحبة يتضمنها إعتذار صريح لصديق عزيز كون المسافات فرقت بيننا قبل فترة تُعد طويلة نسبياً بالنسبة لأصدقاء . لا أدرى صدقاً لماذا فشلت في الكتابة له ووجدت نفسي أكتب لجميع الأصدقاء الذين أحبهم كما أحبه. آمل من القديس “يوسف حمايل” أن يعتبر هذه الرسالة الصريحة موجه له وأن تكون هذه الرسالة بمثابة إعتذار لغيابي الذي لا يمكن تبريره. وآمل من الأصدقاء جميعاً إعتبارها موجهة لهم أيضاً. كون عدد كبير من الأصدقاء مرت فترة طويلة على آخر لقاء بهم.

في البداية أود أن أقول بشكل أو بآخر بأن علاقتي بالزمن هي علاقة مضطربة. فأنا شخص لا يملك تلك الذاكرة التسجيلية التي يمتلكها البعض. نادراً ما أتذكر الكلام الذي يحصل بيني وبين الناس. ربما بعض النصوص التي أتذكرها هي تلك التي تحمل مشاعر طيبة فقط. تماماً كتلك التي ذكرتها في إحدى رسائل المحبة المرسلة لصديقنا العزيز “ايهاب”. وأتذكر بعض المواقف وهي التي أثرت بي بطبيعة الحال. علاقتي بالتواريخ سيئة للغاية. فلا اتذكر تواريخ إطلاقاً. وبالرغم من أن هذا الأمر سبب لي الكثير من الحرج مع البعض منكم. خصوصاً بموضوع المناسبات الإجتماعية التي كنت أتغيب عنها لكوني لم أتذكر تواريخها. إلا أن هذا الأمر جيد بالنسبة لي في الوقت الحالي على الأقل.

بدأت قصتي مع عدد كبير منكم منذ أربع سنوات. تقريباً في مثل هذا الوقت من العام. بصدق كانت البدايات بالنسبة لي نوع من أنواع المقامرة. أو نوع من التحدي. تحدي بالنسبة لي شخصياً. ودوما ما كنت أتسائل إن كنت قادر على التأقلم مع الوضع الجديد أم لا. الوضع الذي سأنتقل فيه من حياتي الفوضوية الى حياة ربما تكون أكثر إلتزاماً. وكنت أشكك دوماً بنجاح هذه المحاولة لكون علاقتي بالأشخاص دائماً ما تكون مضطربة لسبب أني لا امتلك عامل التعلق بالأشخاص. أو لسبب إفتقاري لعامل “إبداء الإهتمام” لهؤلاء الأشخاص. وهذا ما أزعج البعض وازعجني في آن واحد. بالرغم أن قلّة من المقربون تفهموا هذا جيداً في فترة من الفترات.

الرائعون والرائعات. ربما ما اتحدث به الآن لا يهمكم. ولكن انا على إيمان عميق بأن الحديث هذا سيترك تأثير كبير في نفوس البعض منكم. في الحقيقة، في فترة الجامعة لم أجد مدينتي الفاضلة التي كنت قد تخيلتها قبل دخولي لها. مُشكلتي الحقيقية التي كنت أواجهها – وخصوصاً في أول عامين – مُروري بفترة شاهدها البعض منكم بتفاصيلها وهي مرحلة التحول والتقلب في شخصيتي. بتصنيف المدرسين كنت طالب سيء. بالرغم أن الكثير منهم كان يحدثني مفرداً بأني طالب ذكي ولكن تحصيلي الأكاديمي متدني وكان يتسائل عن السبب دوماً. كانت حجتي دوماً بأني شخص يرفض الخطوط التي يرسمها المدرسون للعلم والمعرفة كوني أعشق المساحات المفتوحة. وبصدق لا اتذكر نقطة التحول التي حصلت يوماً ما وأصبحت ذلك الطالب المتفوق القريب من جميع المدرسين دون إستثناء.

الأحبة جميعاً. ربما الكثير منكم لم أختاره ليكون بجانبي. فأنا عندما دخلت الجامعة وجدتكم. وكنت ألجأ الى العزيز “إيهاب” دوماً واحدثه بأني لن أكون أي صداقات من هذا النوع إطلاقاً. في السنة الأولى لاحظتم جميعاً بأني كنت إنطوائي. وأجلس لوحدي في نهاية قاعة التدريس. منصتاً ومُقل للأحاديث مع الجميع. وفي الحقيقية كنت في أحيان كثيرة أدعو الله بأن “يساعدني أن لا أكرهكم”. كون الكره سهل الحدوث وصعب الزوال من قلبي. كان البعض منكم يُثير غضبي بتصرفاته الصبيانية. ولكن مع مرور الأشهر الطويلة وبعدما توصلت لنقطة لا رجوع عنها وأصبحت فيها أشاهدكم أكثر من مشاهدتي لعائلتي تغير الوضع كثيراً.

الأعزاء. لم أبدي في يوم من الأيام أي أهمية لتجربتي الأكاديمية. بالرغم أني فخور بمساعدة الكثير منكم في تخطي هذه التجربة التي لا اعتبرها غنية لي ولكم كونها كانت بمساحة مغلقة. دائماً ما كنت أهتم بالتجربة الإنسانية التي كنت أعيشها مع البعض منكم. تلك التجربة المليئة بالمواقف الجميلة. المليئة بالشخصيات المختلفة واحياناً الشخصيات غريبة الاطوار والتصرفات. كنا جميعاً في نفس المكان وفي نفس الإطار المرسوم لنا مسبقاً وفي نفس الروتين المُمل. والذي كُنا نتخطى ملله بالنسيان. واحياناً كثيرة بالإبتسامة.

الأصدقاء جميعاً. تعلمت منكم الكثير من خلال تصرفاتكم التي لم اكن أستهويها يوماً ما. حتى أن احدكم علمني “الهروب”. نعم اتذكر كلامه جيداً عندما قال لي بأنه يُفضل الهروب في أحيان كثيرة على المواجهة. حتى أني ذهبت بعيداً في ذلك وأصبحت أهرب داخل الموسيقى وكلمات الاغاني. وأبعد من ذلك هذا الهروب علمني أسلوب جديد في الكتابة. وهو اسلوب الكتابة الذي يكون من القلب الى القلب مباشرة. كُنت أهرب إليكم من هموم الدنيا وضجرها. أهرب إليكم من عَملي المليء بأخبار الوطن السيئة. كُنت أجد لصوتي صدى كبير لمجرد الحديث معكم. وكان الحديث معكم يعلمني الصبر على امور لم أعتد أن أصبر عليها. كان الإختلاف معكم يُشعرني بأن الحياة مستمرة بالرغم من سلبيتها.

شكراً لكم جميعاً دون إستثناء. شكراً لكوني كلما تذكرت أحدكم أبتسم. شكراً لكوني أتذكر إبتسامتكم نفسها. شكراً لكوني أتذكر الحكايا الجميلة والتي أثرت بي بصدقها. شكراً للمشاعر الطيبة والتي أعتبرها في حياتي أمر جميل. بل أمر فائق الجمال.

أكتب إليكم هذا أيها الأحبة لكون الدقائق والساعات الجميلة التي كنا نجلس بها لنبتسم لن تتكرر يوماً ما. او ربما لن نمتلك يوماً ما هذه الدقائق لنودع أنفسنا بها، ذلك الوداع الذي يليق بكم. ولكن ربما تكون هنالك دقائق أكتب لكم فيها إهداء بسيط أقل منكم على ورقة من أوراق كتابي الأول. إلى ذلك الحين يا أحبة أتمنى لكم حفظ الله ورعايته.

Advertisements

عن السينما والسُبكي ومؤخرة هيفاء وهبي

20 فبراير 2014

صورةالإسبوع الماضي. إستضاف الرائع باسم يوسف ضمن برنامجه “البرنامج؟” قرينة الرائع في مجال الإخراج عمرو سلامة. وبطريقة ما ولإرسال رسالة ما. مررّ باسم مقطع من فيلم “حلاوة روح” الذي تقوم بتأدية البطولة فيه صاحبة الجلالة والخمس وأربعون عاماً هيفاء وهبي والمثيرة جنسياً بجسدها لرقم أمامة 6 أصفار من شبان وشياب الوطن العربي.  لا أريد ان أتحدث عن هيفاء وإثارتها ولا حتى عن فيلمها الجديد “حلاوة روح” المسروق أصلاً من الفيلم الشهير وذائع الصيت ” Malena ” والذي أُنتج عام 2000. والذي تقوم الهيفاء فيه بتأدية نفس الدور الذي قامت بتأديته الرائعة “مونيكا بيلوتشي”. ولكن بإثارة وسذاجة أكثر. ولكن بالتأكيد لا فرق بين مونيكا الشابة الجميلة ذات الجمال الطبيعي. وقرينتها العّربية صاحبة المؤخرة والأثداء المصنوعة من مادة السيلكون.

ما أريد أن أتحدث به على وجه العموم هو الفرق بين السينما العربية والسينما الغربية. وعلى وجه الخصوص الإنحطاط الذي وصلت إليه السينما العربية على يد المنتجين العّرب. وبالتأكيد عندما نتحدث عن منتجين عرب يكون لأبناء عائلة السُبكي نصيب. الأشقاء ” محمد وأحمد السُبكي” والمنافسة الشديدة والمُلاحظة فيما بينهم “مؤخراً” لمن يستطيع ان يقدم أفلام أكثر إبتذالاً. ويصاحبها أعلى إيرادات على شبابيك السينما العربية. فهذه هي المعادلة بكل أسف في الوطن العربي ” إبتذال وإثارة جنسية أكثر. عائدات وايرادات مالية أكبر”.

بداية الاخوة السُبكي “أحمد ومحمد” في مجال الإنتاج السينمائي لم تكن سيئة. ويمكن الإقرار في ذلك. حيث بدأ أحمد السُبكي لوحده عام 1984 من خلال “نادي فيديو” في محافظة الجيزة المصرية. وبعدها إنضم إليه شقيقه محمد ليؤسسا أكبر شركة تسويق للأفلام الاجنبية في الشرق الأوسط. وبعدها إتجه الأشقاء لمجال الإنتاج السينمائي، “الإنتاج المعقول” نوعاً ما. وهو الإنتاج الذي يعتمد على القصة والقليل من مشاهد الكوميديا. والإعتمادية بطبيعة الحال على النجوم الكبار في تلك الفترة لضمان توافد الناس على شبابيك السينما. ونجح الأشقاء في إجبار الناس على دفع تذكرة السينما بالرغم من الحالة الإقتصادية السيئة التي كانت تعيشها مصر في تلك الحقبة. كون نجوم عائلة السبكي في الأفلام هم نجوم الشارع المصري. من ضمنهم الراحل “الرائع” احمد زكي بأفلام مثل سواق الهانم ومستر كاراتيه والرجل الثالث. ونور الشريف ووالراحل علاء وليّ الدين وغيرهم. بالطبع هذا كان في تسعينيات القرن الماضي. وقبل أن يدخل الأخوين منحدر صناعة الأفلام بصناعتهم لفيلم “اللمبي” لمحمد سعد. وهذا المنحدر صنعه الأخوين بحرفية، حيث ظهر جلياً ان الأشقاء أرادو الإبتعاد عن تلك الأفلام التي يمكن أن تشكل حالة فشل والرهان عليها إن كان الناس سيتقبلونها أم لا. وأتجهوا لصناعة السينما “مضمونة النجاح” وبكل تأكيد أتحدث هنا عن حقبة الألفية الثانية وظهور أفلام مثل “كلم ماما، وبحبك وأنا كمان، وسيد العاطفي، وعمر وسلمى”. وبعدها إنفصل الأشقاء وأصبح هنالك حالة تنافس شديدة في صناعة الأفلام الأكثر ردائة وأكثر إيرادات. الى أن وصلنا الى أفلام مثل الألماني وقلب الاسد وعبده موته. وهذا الفيلم الأخير الذي حقق أعلى إيرادات في تاريخ السينما المصرية حسب ما نشرت جريدة الأهرام المصرية. واليوم حلاوة روح.

على النقيد تماماً للسينما العربية، هنالك عالم آخر من السينما. بالتأكيد ذلك العالم يوجد به ما هو سيء ومشابه لإنتاجات الأخوين السُبكي الرديئة مع فروقات في الإخراج والمؤثرات البصرية المُبهرة، ولكن يوجد به ما يقوم بسرقته الأخوين السُبكي أيضاً دون أي إبتكار أو تجديد حتى “كحلاوة روح”. وهنا عن السينما الغربية أتحدث. لا يُمكن تسليط الضوء على إنتاجات السينما الغربية “المُبهرة” بكل ما تحمله الكلمة من معنى لعام واحد فقط. فهذا الأمر سيحتاج الى صفحات عديدة. ولكن يمكن تسليط الضوء على الأفلام التي حصلت على الجوائز العالمية. والمرشحة لجوائز الأوسكار. فمن يتابع السينما الغربية عن كثب يرى بأن الأفلام التي تحصل على الإيرادات الأعلى وتلاقي إستحسان الجمهور الغربي وتحصد جوائز كبيرة مثل “الغولدن غلوب” و”الأوسكار”. هي الأفلام التي تقدم قضايا إنسانية وذات الحبكة الدرامية القصصية والتي تصور عن الإنسان نفسه. البعيدة عن الإبتذال. الأفلام التي تناقش سير شخوص غيروا مجرى التاريخ. أفلام تتحدث عن عالم الفضاء ونهاية الكون.

لنعود الى الشقيقين السُبكي مرة أخرى. ونتسائل ماذا يُقدم هؤلاء؟. وهل ما يُقدم من أفلام له أي صلة بالواقع؟. انا على قناعة شبه تامة بأن المجتمع المصري نفسه قبل أي مجتمع عربي آخر يرفض الأخوين السُبكي وأفلامهم. ولكن في نفس الوقت يحقق هذا المجتمع للسُبكي أعلى الإيرادات كل عام. وهذا تماماً ما هو موجود في المجتمعات العربية الأخرى التي ربما ترفض أفلام الأخوين السُبكي أخلاقياً وإجتماعياً ودينياً ولكنها تتيح للسُبكي مجالاً واسعاً للمضي قدماً في تقديم نفس هذا الإبتذال والبذائة والإنحطاط السينمائي. فأفلام السُبكي بطبيعة الحال هي من تتصدر شبابيك التذاكر في كل عيد. بالرغم من وجود أفلام لها قيمة فنية كبيرة تكون مطروحة في السينما في نفس التوقيت. وهنا يتولد سؤال جديد: لماذا في الغرب تنجح الأفلام التي تقدم قيمة للسينما الغربية بينما في بلاد العُرب تنجح أفلام السُبكي التي تزيد من إنحطاط السينما العربية؟.

بالعودة لسؤال هل ما يقدمه الأخوين السُبكي له علاقة بالواقع. الإجابة بالطبع لا. يعمل الأخوين السبكي منفصلين في مكاتب إنتاجية بعيدة كل البُعد عن الواقع الذي تعيشة الطبيعة الإجتماعية المصرية. فَجُل أفلامهم  دائماً ما تقدم صورة سلبية عن الأحياء الشعبية والعشوائيات في مصر. وتنتقل هذه الصورة الى العالم العربي الذي لا يعرف طبيعة العيش في هذه الأحياء لتتكون عنده صورة نمطية لكل من يعيش في حي شعبي صورها له السُبكي. تلك الصورة الممتلئة بالمشاكل والبلطجية والمخدرات والدعارة وقمصان النوم وتفاصيل ليلة الدخلة وما يصاحبها من عجز جنسي وتناول منشطات مثل الفياغرا وربط ذلك بهموم المجتمع ككل. والراقصات في الحفلات والإختلاط والتعري في الأفراح الشعبية وتوزيع مشروب “البيّرة” على المعازيم وأحجار الحشيش واللحم الرخيص وإطلاق النار الكثيف الذي يُشعرا لمُتلقى بأن الوضع في مصر “شوربة”. هذا لا يمت للواقع بصلة. صحيح أن من يعيش في الأحياء الشعبية والحواري المصرية القديمة ليس بتلك الدرجة من الرُقي “على الأقل شكلاً”. ولكنه ليس بتلك الصورة الساذجة التي دائماً ما يقدمها الاخوين السُبكي في أفلامهم.

كثيراً ما أتسائل سبب نجاح السينما الغربية ككل. وفشل السينما العربية بمجملها. وأرى من خلال متابعتي للسينما الغربية بأن المنتجين والمخرجين هناك لا يحاولون إستنساخ الواقع الذي تعيشه بلدانهم. كما يحاول أن يفعل السُبكي وغيره ويفشلون بسبب الإبتذال والتهويل. بل أن السينما الغربية تعمل على “التعبير” عن الواقع بشكل أخلاقي وواعي. الشكل الذي تكون فيه قابلية للفهم من قبل المُشاهدين. وفي أحيان كثيرة يحاول المخرج السينمائي الغربي إعادة تشكيل الواقع ليكون بشكل أفضل. وهذا بعيد كل البُعد عما يقدمه الشقيقين السُبكي. حيث دائماً ما يقول السُبكي وغيره من المنتجين والمخرجين العرب في نهاية أفلامهم بأن “الواقع أشد قسوة”. ربما أقتنع قليلاً بكلامهم هذا. ولكن ماذا فعلت لتغيير هذا الواقع؟. ماذا فعلت أنت سوى المتاجرة في هذه القضية وتقديمها بطريقة مبتذلة وهابطة؟.

أخيراً. لماذا أكتب عن هذا؟ وماذا علينا أن نفعل إذاً؟. ربما كتابتي لهذا الكلام بسبب تأثر المجتمع بأفلام السُبكي. نعم أصبح هنالك من يُقلد مواقف ومقاطع من أفلام السُبكي. بمعنى أن السينما أصبحت تؤثر على الأفراد ولا تتأثر بالأفراد كما هو معهود. فليس غريباً ان تجد طفلاً أو مراهقاً يحمل سكيناً ويرقص على إحدى أنغام الأغاني الشعبية المصرية الهابطة التي يقدمها الأخوين السُبكي في أفلامهم. عن فلسطين أتحدث. فما بالك الصورة في مصر؟. هل علينا فقط مشاهدة أفلام السُبكي بصمت وعدم تصديق أي قصة يبتدعها من داخلنا وأن تكون العلاقة بيننا وبين ما يقدمه فقط هو المشاهدة. أم علينا أن نقاطع أفلامه؟. من وجهة نظري أرى  بأن اضعف الإيمان هو الحل. نعم علينا بالمقاطعة ومن ثم علينا ان نتوجه الى الله بالسؤال لنقول: لماذا لا يموت ولاد المرّة الوسخة؟.

عن البخاري وآخرون

16 فبراير 2014

هذا الكلام واقف بزوري من فترة وحابب أحكيه، وشايف الضرورة تُحتم علي أحكيه.في البداية بالتأكيد لا يوجد أي عداوة مسبقة بيني وبين الشيخين البخاري ومسلم وغيرهم من علماء الحديث. بالعكس أنا أحترمهم كشخوص وعلماء في مجال الدين، وأكن لهم كامل التقدير في سعيهم في مجال نقل الحيث. ولكن أنا على قناعة تامة أن البخاري ليس بنبني لكي يكون خارج دائرة النقد أو التشكيك. بغض النظر إن كان هنالك ما نُشكك به أو لا. فهذا ليس ما أريد ان اتحدث به بقدر ما أتحدث عن الفكرة بحد ذاتها.

الرسول الكريم صلوات الله عليه لم يخبر أحداً بأن هنالك شخص له قدسية سيأتي من بعده. فالمولى عز وجل أخبرنا في كتابه الحكيم بأن محمد هو آخر الأنبياء والمرسلين. والمولى عز وجل لم يذكر بكتابه الحكيم بأن هنالك كُتب لها نفس قدسية القرآن لكي تكون خارج إطار النقد أو القبول. ولا يجرؤ أحد بمكانته ومعرفته في مجال الدين بأن يقول بأن ما ورد في صحيح البخاري من كلمات لها نفس مصداقية ما ورد من كلمات في القرآن الكريم. وهذا لا يختلف عليه إثنان. وهنا تبقى مسألة القبول. هل يعقل أن نتلقى ما ورد بصحيحين البخاري ومسلم بالقبول التام كما تلقينا قبول كتاب الله؟. بالتأكيد لا.

 إعتبار كلام البخاري بأنه كلام لا يقبل التأويل والتشكيك والذهاب بذلك بعيداً من خلال محاولة البعض “اخراس” من ينتقده لمجرد نقل الإمام النووي لإجماع الامة على هذا الكتاب يعتبر أمر سخيف بحد ذاته –من وجهة نظري على الأقل-. فطالما يا أخي المؤمن أن المولى عز وجل أكرمنا عن باقي مخلوقاته بالعقل فلماذا لا نحاول إستثمار هذه الهدية الكريمة بالتفكر إن كان هذا الكلام فعلاً صادر عن الرسول أم لا؟. البخاري جمع آلاف الأحاديث وإختار منها جزء آخر وإعتمد في إسناده لأكثر من نصف الاحاديث على كلام أبو هريرة حيث نقل عنه ما يقارب الـ 450 حديث بينما نقل عن فاطمة الزهراء حديث واحد. وكان البخاري يصلي ركعتين إستخارة قبل أن يقر أي حديث مش يمكن البعض ممن إستثناه البخاري هو صحيح. والبعض مما إختاره بصلاة الاستخارة هو خاطئ؟. المعادلة بسيطة جداً، مش مطلوب منك تشكك بكلام البخاري ولكن في نفس للوقت لا تُقدسه وتقدس كلامه عشان تصير تفكر، وفكر بما رواه قليلاً. واحكم بعقلك، فقط، والأهم لا تحكيلي حرام، لأنه وين الحرام في هذا؟ إجتهِد كما إجتهَد.

أخيراً. يعني مش بالضرورة تقتنع بوجهة نظري الي برويها على مسمعك. كوني مش ماسك سيف وحاطه على راسك وبحكيلك لا بتقتنع لا بقطع راسك. بالعكس بحب أسمع أكثر ما بحكي. فعشان هيك يا ريت لا تحاول تفرض عليّ وجهة نظرك. يا عزيزي يمكن أقتنع فيها. ويمكن أقتنع  بجزء منها ونتناقش بالجزء الآخر. أما إنك تجبرني على على الإقتناع بوجهة نظرك وفوقها وجهة نظر إمك بالخاوة. هاي صعبة أكيد.

عن إلغاء خانة “الديانة” من الهوية

15 فبراير 2014

صورة
بإعتقادي شطب خانة الديانة من الهوية والوظيفة من جواز السفر خطوة جريئة إتخذتها السلطات الرسمية الفلسطينية. منذ اللحظة الاولى للقرار بدأت تظهر معارضات وربما سخافات من بعض أنصار التيارات الإسلاموية بحجة ان الرئيس يحاول إلغاء الهوية الإسلامية لفلسطين وكأن فلسطين ذات هوية إسلامية أصلاً والأنكى من ذلك عندما يقال ان فلسطين ستحرر على أيدي جيش المسلمين بالرغم من محاربتكم للإسلام. هنالك من يحاول تصوير الأمر على أنه عداء للإسلام وكأن محددات إسلاميته بينه وبين ربه هو التعريف على بطاقة الهوية لا أكثر ولا أقل وليست في القلب والعمل والمعاملة، وهنالك شريحة عريضة في مجتمعنا بعيدة كل البعد عن الدين وعندما ترى خطوة جريئة مثل هذه تراها تفتي كفتاوى إبن باز. وهو نفسه لا يعرف لماذا أتخذ هذا القرار وما هي مبرراته. 

على الجانب الآخر هنالك من يؤيد الفكرة طالما تسعى لخلق حالة من المساواة وإلغاء التمييز ولكن يناقش الموضوع من منطلق آخر بالقول بأن ممارسات عديدة ستكون مبهمة في حالة شطب خانة الديانة من بطاقة الهوية. مثل الوفاة لتحديد مراسم الغسل والدفن على أي طريقة في حالة انه لم يعرف من هو المتوفى. والزواج من أجل الكتاب الشرعي والميراث وغير ذلك. وهو في هذه الحالة يدرك بأنه يناقض نفسه عندما يتحدث عن إلغاء التمييز ويميز بين المواطن والمواطن من هذه الناحية. 

أما من الناحية القانونية. احد الأصدقاء الحقوقيين حدثني قبل قليل بأن ذكر ديانة الشخص في الأوراق الثبوتية لأي مواطن ليس له أي سند قانوني في أبجديات الأوراق والمواثيق الفلسطينية. فالقانون الفلسطيني ينظر الى الفرد كمواطن فلسطيني وليس كمواطن مسلم أو مواطن مسيحي. ومن هذا المنطلق أنا لا أعتقد ان السلطة ستكتفي بهذه الخطوة. وطالما شرعت في تطبيقها فهي ستطبق خطوات لاحقة مثل الزواج المدني الذي يتيح للفرد إختيار من ستكون شريكة حياته بغض النظر عن دينها وعلى أي طريقة سيكون زواجه “شرعياً/مدنيا” فهو وحده من له الحق في الإختيار. 

ما دعاني للتفكير جلياً هنا هو كلام أحد الأصدقاء الحقوقيين أيضاً عندما قال بأن إلغاء خانة الديانة من الهوية يعد خرقاً لحريات الأفراد. فبأي حق تخول السلطة نفسها بهذا العمل دون الرجوع الى الأفراد أنفسهم. ربما يكون هنالك من يريد أن يذكر إسم دينه في الهوية وبهذا القرار صادرت السلطة حقه. هذا الكلام ذكرني صدقاً بحادثة حصلت في تونس إبان إقرار الدستور الأخير عندما طالبت الحركات الوطنية التونسية بضرورة إقرار بند “يجرم التكفير” وهو هواية من هوايات التيارات الاسلاموية فخجرت منظمات حقوق الإنسان في تونس ترفض هذا من منطلق أن تجريم عمل ما هو مصادرة حق لشخص ما في القول وإبداء رأيه حتى وإن كان رأيه هو تكفير.

هل تشكل الإنتخابات حلاً لمشاكل غزة؟

7 فبراير 2014

صورة
إن موضوع الحكم في غزة معقد الى أبعد مما نتخيل، ولا اعتقد ان عودة الوحدة الوطنية أو حتى إسقاط حكم حماس من غزة سيكون حلاً لمشاكل غزة وما تعانيه الآن إطلاقاً. فالمشكلة في غزة ليست مشكلة “حكم سياسي” تقوده فئة بعينها كما يظن غالبية أفراد الشعب الفلسطيني او حتى كما يصورها المحللين السياسيين ورموز القيادة في رام الله. وشعارات عودة اللحمة الوطنية وإجراء الانتخابات من أجل إنقاذ غزة من كوارثها ومشاكلها شعارات واهية، محددات المشكلة أبعد من هذا بكثير.  والقول انه يمكن معالجة مشاكل غزة من خلال اتفاق فلسطيني او حتى عودة السلطة لحكم غزة سواء عبر صندوق الانتخابات او غير ذلك أمر غير منطقي صدقاً. كون عودة حكم السلطة سيفاقم المشكلة ولن يعمل على حلها من وجهة نظري. فمن ناحية معايير القوة على الساحة الفلسطينية لم تتغير حتى الآن، فما زال القطبين الرئيسيين في فلسطين “فتح-وحماس” هما القطبين المسيطرين على السياسة الفلسطينية منذ عقود بالإضافة الى كونهم أصحاب القوة المطلقة في هذا المجال. فحتى مع إنتكاسات التنظيم الدولي للإخوان إلى أن إنتخابات مجالس الطلبة والاتحادات الشعبية ما زالت تشهد صراع فتحاوي-حمساوي، حتى ولو تراجعت حماس في انتخابات المجالس قليلاً إلا ان تراجعها هذا من وجهة نظري يعزى الى “تحركها الحذر في الضفة”. وهذا يعني بلغة العقل أن أي انتخابات قادمة لن تغير من الواقع شيء وسيتم خلق نفس النظام السياسي ولكن هذه المرّة سيكون النظام صاحب “شرعية إنتخابية”.

تحدثت في أكثر من مناسبة أنه من الخطأ إعتبار حماس حركة مشايخ ورجال دين ومن الخطأ أيضاً تصويرها بذلك ومن الخطأ القول بأن جميع مشاكل غزة بسبب هؤلاء المشايخ. حماس تأسست كحركة إجتماعية أيضاً بجانب طابعها الديني. ففيها رجال دين وفلاحين وطبقة برجوازية “صغيرة” وشريحة واسعة من رجال الاعمال الذين يؤمنون حتى بالإقتصاد الرأسمالي كغيرها من التنظيمات التي لا ترفع شعار إسلامي. وربما نذهب أبعد من ذلك من خلال القول بأن حماس تخطت الأحزاب الأخرى من خلال تأصلها المدروس بداية التسعينات في المجتمع الفلسطيني “على طريقة الاسلاميين المعتادة” من بناء شبكات اصلاحية ورياض أطفال وجمعيات وحل المشكلات الاجتماعية من خلال ما يعرف برجال الاصلاح وتجنيد الفتيان عبر المساجد في فترة كانت فيها حركة فتح منشغلة بالسلطة واليسار يصارع نفسه وهذا خولها بأن تتغلغل بشكل مكثف في جميع مكونات المجتمع الفلسطيني.

من ناحية أخرى والأهم من وجهة نظري. أن حماس تمتلك مصدر قوة الآن في السياسة الفلسطينية وبسبب ما يسمى “الصراع مع الاحتلال” وإرتباطات الحركة الخارجية خصوصاً إرتباطها الوثيق مع ايران خولها أن تبنى “مؤسسة عسكرية متكاملة الأركان” وذات تسليح متطور وعالي الجودة وشخوص مدربة تدريب عالي المستوى. وهذا الميزة التي تمتلكها لم يسطع أي حزب سياسي فلسطيني تحقيقها. فلذلك لا يمكن لأي متابع فلسطيني يبتعد عن لغة العاطفة ويحكم عقله إنكار قوة حماس العسكرية، حيث تخطت قوتها العسكرية مفهوم الاجنحة العسكرية والمجموعات المسلحة العشوائية وطغى عليها شكل المأسسة المنظمة. حتى ومع تعرض قوتها العسكرية الى تآكل في بعض الأحيان. إلا أن ذلك يعد بالنسبة لها ورقة رابحة وورقة قوة تراهن عليها إن أرادت مواجهة أي خصم لها على الصعيد الداخلي. أو حتى في مفاوضاتها في الداخل على الحكم القائم.

أجادل دوماً بأن الانتخابات الفلسطينية لن تكون حلاً بأي شكل من الأشكال. بل ستعمل على تفاقم المشكلة بسبب ما ذكرت من العوامل. وستعمل الانتخابات على إعادة نفس النظام لحكم غزة ولكن بشرعية الإنتخابات هذه المرّة. كما وأي حل آخر عسكري أو ثورة شعبية وجماهرية وما شابه لن يجدي نفعاً في حالة غزة. فحماس لن تتواني للحظة بأن تدافع عن حكمها هناك وهي لن تتوانى بإستخدام العنف والقوة المفرطة. فهي لديها وسائل لإستخدام هذا العنف اذا لاحظت أن هنالك خطر يهدد وجودها. وربما سبب فشل أي حراك شبابي أو جماهيري في غزة كون الجميع يعي أن حماس مارست العنف بشكله الممنهج في قمعها للعشائر والعائلات المتنفذة في القطاع في بداية حكمها. وقتلت العشرات من هذه العائلات لمجرد أنها شعرت بأن هنالك ما يهدد بسط سيطرتها ونفوذها على القطاع. فماذا لو شعرت ان هنالك حراك يريد أن يخلق حالة من اسقاط حكمها؟. ستكون النتائج غير معقولة ربما. وربما حركة فتح نفسها تخشى الدخول في هذا النفق المظلم، وتخشى الصدام مجدداً مع حماس.

عملت حماس إبان سيطرتها على غزة على خلق واقع إجتماعي جديد مغاير تماماً لذلك النمط الذي كان سائداً قبيل فترة حكمها. ومن خلاله إستحدثت نمطاً للضبط والتحكم على الصعيد السياسي. حيث إستطاعت من خلال هذا الواقع على إستيعاب العديد من الفئات الإجتماعية المستفيدة من حكمها، وهي الفئات نفسها التي كانت قائمة قبل سيطرتها على القطاع. وعملت في نفس الوقت على خلق فئات جديدة من خلال المال السياسي الوفير الذي كان يصلها من قطر وايران وتجارة الأنفاق التي كانت تعود عليها بمردود مالي ضخم أيضاً. وأبعد من ذلك نجحت بدون أدنى شك في خلق مجتمع قائم إقتصادياً على المشروعات متناهية الصغر التي يديرها أفراد تابعين للحركة أو مقربين منها. وشكلت لها هذه المشروعات قيمة كبيرة بجانب الدعم الخارجي حيث وصلت قاعدتها الوظيفية الى أكثر من 42 الف موظف. وأضفت إليها هذه القاعدة الوظيفية تأييد كبير حتى من تلك الفئات التي عملت على إسترضائها والتي كانت متواجدة فعلاً قبيل حكمها. فلذلك نجد أن شريحة إجتماعية واسعة جداً في القطاع تريد أن يبقى الوضع على ما هو عليه الآن دون أي تغيير. فهذه الشريحة تبحث عن الاستقرار في المقام الاول وتخشى من مغبة حدوث إختلال وشرخ عميق يضرب أركانها في حالة إعادة الوضع الى ما كان عليه قبل عام 2007.

أخيراً. إن غياب أي قوة فلسطينية أخرى تضاهي قوة حماس يجعل من تغيير الوضع القائم في قطاع غزة أمراً صعباً إن لم يكن مستحيلاً. ومع وجود تلك العوامل والأوراق التي تمتلكها حماس والتي تراهن عليها وخوف التيارات الإجتماعية التي خلقتها حماس وتلك التي عملت على إسترضائها والتي كانت قائمة بالفعل من المجازفة بتغيير الواقع الحالي في القطاع يجعل موضوع الحكم في غزة أكثر تعقيداً. ففتح بقاعدتها الشعبية الواسعة وبرفقة فصائل منظمة التحرير لا تمتلك تلك الأدوات التي تمتلكها حماس في حكمها الآن.إذن ما الحل؟. وهل يمكن أن يكون أي حل قادم جدير بإنهاء بنيوية حركة حماس المتأصلة في المجتمع والتي لا يمكن إنكارها؟. ربما لا. وربما إن خلقت الحالة الفلسطينية مشروع سياسي جديد قادر على المضي قدماً لتحقيق تطلعات الكل الفلسطيني يخلق حلول لهذه المعضلة الكبيرة. المعضلة الأكثر تعقيداً.