رسالة الى العزيز إيهاب (2).

صورة
العزيز إيهاب. هل تذكر عدد  أشرطة “الكاسيت” التي يحتفظ بها والدي؟. لم أكن أستوعب سبب إحتفاظه بهذا الكمّ من أشرطة “الكاسيت” المليئة بالأغاني. ربما يتذكر بعض المقربين هذا العدد أيضاً. هو عدد هائل بالمعنى الحقيقي. وبالإضافة الى هذا العدد هو يحتفظ أيضاً بثروة من الصور. عدد كبير جداً من الصور، صدقني. ألبومات كثيرة يمكن القول بأنها تملئ شنطة سفر كبيرة وأكثر. وساعات طويلة لن تكفي لمشاهدتها. جميع من تربطنا به صلة قرابة أو صداقة له صّور عندنا. هذه حقيقة، شخوص ربما ستطلق العنان لضحكتك الهستيرية لو تليت عليك أسمائهم. لديه صور لهم في شبابهم وحتى بعد زواجهم. وربما ستشعر بالغثيان لو تقرأ ماذا كتب خلف كل صورة من تلك الصور، إهداءات عظيمة وكأنها مرسلة من ملائكة. ولكنهم ليسوا كذلك حقاً. من المؤكد أنك تعي قولي هذا.

العام الماضي يا صّاح طلبت منه التخلص من أشرطة “الكاسيت” جميعها بحجة أننا لم نعد بحاجتها الآن. لا يُعقل بأن يحتفظ بهذه الأشرطة الآن. من الغريب حقاً أن تجد من يحتفظ بـ”مسجل” لتشغيل أشرطة الكاسيت هذه في ظل هذا التطّور التكنولوجي الهائل يُعد هذا غريب فعلاً. قلت له آنذاك أن بإمكانه تصفح جميع أغانيه الموجودة في هذه الأشرطة من خلال موقع واحد على الإنترنت. فقط موقع واحد. وبإمكان جهاز صغير جداً أن يُغنيه عن أشرطة الكاسيت وبإمكانه حفظ الملايين من الأغاني على هذا الجهاز. وهو أفضل من مسجلته القديمة وأشرطته جميعها.

رفض إقتراحي بِعُنف. تخيل يا صاحبي. طلب بإصرار كبير أن أبتعد عن أشرطته هذه. ولم تشاهد مدى غضبه عندما إقترحت عليه إقتراحاً جديداً. لا أدرى بحق لماذا أبدى كل تلك العصبية وقتذاك. فلم أقل له شيئاً سيئاً. فقط قلت له بأني سأسدي إليه خدمة عظيمة جداً، حيث سأعطيه من وقتي الكثير الكثير وسأقوم بحفظ إرشيفه من الصور الورقية على الكمبيوتر وإشترطت عليه أن نتخلص منها بعد نقلها الى الجهاز. تصّور أنه شتمني. نعم وقال لي طالما هي ليست بغرفتك فلا علاقة لك فيها.

خُيل لي أن ديسمبر سيكون لطيفاً يا صاحّ. كونه كان آخر ملامح العام. ولكن في ديسمبر وقعت الواقعة. أصر ديسمبر أن يترك بصمته السيئة. كما تركها أوكتوبر الذي أتعب قلبي يا إيهاب. أنت تدرك ما فعله اكتوبر بي يا عزيزي من تعب القلب. اهلكني ذلك العام، أهلكني منذ بدايته. وها هي نهايته شهدت مصيبة فقداني لجميع أرشيفي الإلكتروني. كم هائل من الملفات. الفيديوهات الخاصة والتي توثق اللحظات الجميلة التي يعكف الإنسان على الإحتفاظ بها للمستقبل. صوري الرائعة والتي تجمعني مع الأحبة، وصور تلك المرحلة التي شهدت ولادة الهوى بداخلي، تلك الصور التي نقلتها الى الكمبيوتر وقمت بحماقة بإتلاف الورقية منها. فقدت، فقدت بالفعل يا عزيزي. لن أفجعك أكثر. حيث ما عكفت على كتابته من قصص قصيرة موجود على الورق حتى الآن، لحسن الحظ بأنه موجود على الورق، فأنا أحب ان اكتب على الورق قبل أن أنقله الى الكمبيوتر. ولكني فقدت عدد لا بئس به من المواضيع التي كتبتها طيلة مسيرتي الجامعية من مذكرات. قد ضاعت، ضاعت بالفعل. شعرت بالإنزعاج الكبير والكبير جداً. هنالك من الأشياء المفقودة ما لا يُعوض. كل شيء فُقد له حيز في قلبي ولن يعوض. صدقني إنها المأساة. مأساة بالفعل.

أتذكر الآن إقتراحي لوالدي. ماذا لو وافق حينها على نقل جميع ألبوماته المصورة الى الكمبيوتر وقمنا بإتلافها. وأخبرته بأني فقدتها نتيجة لخلل في هذا الجهاز. يا إلاهي ، لكانت مصيبة. أنا أضحك ساخراً وأنا أكتب لك هذا. ولكن لا أعتقد أني كنت سأضحك لو حدث ذلك بالفعل. الآن أعي جيداً سبب تمسكه بمقتنياته والحرص على عدم فقدانها. أنا فقدت إرشيفي الذي جمعته طيلة عشر سنوات وشعرت بحجم الفقد يا عزيزي. نعم كانت غصة كبيرة في قلبي جراء ضياعها. فما بالك بإرشيف جمعه هو طيلة 45 عاماً؟.

 أذكر جيداً حين كُنت أشاهد برفقته الصور التي أمتلكها على جهازي من خلال ربطها بالتلفاز وقال لي ساخراً أن تزايد طفيف في قوة الكهرباء يمكن أن تؤدي الى إكتئابك لفترة. ويمكن أن تؤدي هذه الزيادة الطفيفة الى بُكائك. هل تدرك هذا؟. كنت أعتقد أن حديثه الساخر هذا لكوني أتصفح إرشفي المصور بطريقة أسهل من طريقته تلك أو لكونه يجد من جهازي أفضل من ألبوماته الورقية. لم أشعر للحظة أن كلامه هذا سيكون حقيقة يوماً ما. ها هي هذه اللحظة، يا لهذا الجنون يا صديقي. الآن أنا نادم، نادم بحق. لكوني إستبدلت ألبوماتي الورقية بأخرى إلكترونية، وها أنا فقدتها. لماذا عكفت على فعل هذا؟. حتى أن الورقية كانت لها قيمة خصوصاً وأن خلف كل صورة كان يكتب بعض التفاصيل الجميلة. ورائحة الورق جميلة، جميلة جداً، هل تحب رائحة الورق مثلي. أنا أحب الورق أحبه كثيراً. لماذا إستبدلنا ألبوماتنا وصورنا الورقية بأخرى إلكترونية. ولماذا اهملنا أشرطة الكاسيت من أجل اغاني الكمبيوتر. ولماذا تركنا الكتب الورقية لنقرأ أخرى الكترونية. هل قصد الغرب بإختراعاته هذه أن يفقدنا رائحة الورق وقيمة ما نملك من أشياء. هل قصد هذا حقاً؟. هذا السؤال أصبح وجودي بالنسبة ليّ يا عزيزي. لماذا؟.

حتماً لن أحدث والدي بهذا الفقد وهذا الضياع. لن يكون سعيداً بذلك إطلاقاً، دائماً ما كان يقول لي إحتفظ بهذه التفاصيل لطعمها الجميل في المستقبل. هي بالفعل لها طعم جميل في المستقبل. كثيراً ما نجلس حوله ليحدثنا عن صورة ما. في كل صورة لديه حكاية يا إيهاب. مئات من الحكايا يوجد في شنطة السفر الكبيرة يا صاحّ. تخيل لو فقدنا كل هذه الحكايا تخيل هذا الألم بالنسبة له. لا أريد أن أخبره بضياع جزء كبيرة من الحكاية التي فقدتها. بالنسبة لي لن يُشكل هذا الأمر ألماً مستقبلاً صدقني. أنت تعي هذا جيداً. الكثير من حياتي ضاع في فترة ما لأسباب عديدة وما زلت بخير. ولكن أخشى ان يصيبه القليل وربما الكثير من الحزن. لذلك لن أخبره.

أعتذر يا إيهاب. نسيت أن أسئل عن حالك في بداية هذا الكلام. ها هو العام قد إنتهي. العام السيء الذي فقدت فيه بعض من جمالية هذا الكوكب. ديسمبر كان آخر ملامحه، تمنيت لو كان لطيفاً معي. ولكن بقي الأمر محصوراً في مجال التمني. أنا بخير والشتاء عندي جميل يا إيهاب، هو الأكثر جمالاً. القهوة والقليل من المطر والقليل القليل من الحنين. على عكس الشتاء الماضي الذي كان مُفعماً بالمطر وبالأخص الحنين. ويبقى المساء هو ملاذي يا صّاح على عكس الصّباح الذي لا أذكر متى كانت آخر مرة عايشت اول ثمان ساعات فيه. صدقني. دائماً ما اتناول نفسي عند الفجر كالدواء وأنام حتى أول ساعات المساء.

قبل أن يحل الفجر واتناول نفسي أريد أن أخبرك سراً يا عزيزي. لم يكن ديسمبر بذلك القبح الذي حدثتك عنه، حيث تعلمت فيه الطيران. أنت الوحيد الذي أقول له هذا الآن. كوني على يقين بأنك ستصدقني. نعم يا إيهاب. أنا جربت الحُب والخيال والكتابة، وبذكاء الروح أدركت بأن بإمكاننا الطيران. ليس كطائرة ورقية إطلاقاً. لدينا اجنحة حقيقية خفية يا إيهاب يمكننا من خلالها أن نطير كشيء لا اعرف ما هو. ربما كحيوان أسود ضخم. حاول أن تطير يا صديقي أنت لديك من الحُلم والكتابة وذكاء الروح ما يكفي لذلك. إن لم يعجبك الطيران كالحيوان الأسود. حاول ان تطير كالعصفور. جميل العصفور وربما هو أضعف الإيمان.

لا أدري لماذا أكتب إليك مرة أخرى. ربما الآن تقول ما الفرق بين هذه الرسالة والأولى. لا أدري صدقني. ربما هذه أرسلها لك وهي دون معنى. أم أردت أن اخبرك أن صديقتي سُعاد أهدتني كتاب سأهديه لك حتماً. فاجئتني سُعاد يا عزيزي. فاجئتني بإختياراتها. أم ربما أردت إخبارك أني كتبت لفتاة رسالة ما. رسالة قاسية يا صّاح. نعم أعتقد أني أكتب إليك لأحدثك عن تصرفي السيء هذا. فأنا دوماً ما أحدثك عن تصرفاتي السيئة دون أن تنزعج أو تقول عني إنسان سيء. أنا محظوظ بك كونك تعلم أن بداخلي شيء جيد يا صديقي. كُن بخير إلا ان يحين اللقاء. آمل أن يكون اللقاء الذي حدثتك عنه في رسالتي الأولى قبل رسالتي الثالثة يا إيهاب. لا أدرى إن كنت سأرسل لك رسالة ثالثة. الى ذلك الحين كُن بخير يا ايهاب. كُن بخير فقط.

صديقك المُحب: بهاء، رام الله / الأربعاء، 1 كانون الثاني ، 2014.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: