هكذا فقط أتحدث عن الماضي!

صورة

الكثير ممن هم حولي يدرك مدى رفضي لفكرة الماضي والتعلق به والتباكي عليه سواء كان مليئاً بالحزن أو بالفرح. ولكن أكتب بهذا الخصوص كون هذا الأسبوع كان كفيلاً بربطي بلحظات كثيرة من الماضي. حيث قبل أيام فاجئني صديقي “أحمد” بقوله مُبتسماً: فلان إبن فلان إبن فلان بسلم عليك. يا الله! هذا الشخص كان موجود بتفاصيل طفولتي بشكل كبير. نعم كان زميلي في فترة الإبتدائي، بتعرف يا احمد انه آخر مرة سمعت إسمه كانت من سنوات طويلة جداً؟ كيف حاله، وشو أخباره؟. هو بخير وكان سعيد جداً عندما أخبرته انك بخير أيضاً. وذهبت بعيداً أتذكر مواقف حصلت وهو برفقتي.

أول أمس، العزيز “إيهاب” أرسل لي قصيدة انتهى من كتابتها باللغة العربية وبالرغم من الأخطاء الإملائية كون كتاباته الأدبية السابقة جميعها كانت باللغة الانجليزية. ألا أنها كانت رائعة بحق، وأثارت بداخلي شعور ما كنت قد إفتقدته مؤخراً. شعور شبيه بالحنين لنصف الحب المفقود. دائماً ما كنت أحدث أُمي -حتى وأنا صغير- أن إيهاب الذي يصغرني بأربعون يوماً سيكون صاحب إبداع في هذه الدنيا -ويا أخي ما أجمل انك تتوقع شي بهالدنيا ويحصل- كونه على الدوام كان وما زال ينجح في نقلي من حياة الى أخرى وقتما يشاء سواء بكلامه أو كتاباته أو بمجرد الجلوس معه. عدا عن كونه الوحيد الذي يدرك أن تفكيري كان بسيطاً لدرجة السذاجة في فترة من الفترات.

صديقتي “ميّ” أخبرتني بأن أخاها قام بتسمية طفلته الجديدة بإسم “نوستالجيا”. فور سماعي للإسم قلت: يا حرام، شو ذنبها، بكرا بتتعقد من هالإسم. فقالت: يعني بتعرف شو معنى نوستالجيا؟. آه طبعاً، وأحد الأصدقاء حدثني عن رواية لكاتب مصري بهذا الإسم. ولم أتخيل للحظة بأن قولي هذا سيفتح امامها مجال كبير لتسألني عن الماضي وطفولتي. وهروباً من أسئلتها التي لم أستسيغها، ووعدتها بأن أسرد مواقف كانت قد حصلت في طفولتي، وهذه هي.

 في سنّ ما كنت على الدوام أجلس أمام المرآة في غرفة والدَيّ، وكنت أقوم بآداء حركات مختلفة لأشاهد إن كان الشخص الذي أمامي في المرآة سيعمل على تقليدي أم لا. وفي كثير من الأحيان كنت أتعمد أن تكون الحركات أصعب وأن تتم بصورة أسرع ظناً مني بأن هذا الشخص سيفشل في تقليدي بسبب سرعة حركتي و”حيتلخبط”. وفي إحدى المرات خطر على بالي أن أبتعد عن المرآة مسافة كبيرة وأختبئ وأعود مسرعاً لأنظر إليها بشكل مفاجئ، وفي لحظة عودتي مسرعاً كنت قد شاهدت والدي في المرآة خلفي بعدما دخل الغرفة دون أن انتبه. صدقاً كان مشهد مرعباً، وبكيت حينها.

بسبب سياسة العيب التي تربيت عليها والتغييب الذي مورس عليّ وانا صغير –وغيري الكثير-  كانت قد تكونت لدي قناعة أن الأطفال يأتون من خلال التقبيل بين أي جنسين مختلفين –يا أخي كنت بريء-. وفي تلك الفترة كان يأتي الى مدرستنا في مخيم الأمعّري طالبات متدربات كل عام لفترة قصيرة ويغادرون. في آخر يوم تدريبي لطالبات كلية “دار المعلمين” التابعة لوكالة الغوث قبلتني فتاة متدربة تُدعى نورة، وكانت متزوجة، بَكيت كثيراً حينها كون الكثير من الطلاب عايرني بهذا، عدا عن فكرة الحمل التي كانت تجول بخاطري والعيب. بعد عام واحد فقط عادت نورة الى المدرسة مجدداً، ومن سخرية القدر أنها كانت حامل. بإمكانكم تخّيل شعور الخوف الذي انتابني حينها بسبب تكوّر بطنها. حينها توقفت عن حضور حصّة العربي التي كانت تأتي نورة إليها.

ذات مرة زارت إحداهُن أمي، وكان معها طفلها الذي كان يبلغ من عمره عام على أبعد تقدير. ومن شدة بكاء طفلها أخرجت صدرها لترضعه، كنت اراقب هذه العملية عن قرب وبذهول كبير جداً. حيث كانت المرة الأولى التي تخرج إحداهن صدرها لترضع إبنها أمامي، وأرى صدرها بكافة تفاصيله. ولم أكن أعرف صدقاً طبيعة الشيء الموجود بداخله، وتسائلت كثيراً حينها، هو شو بيعمل؟ وليش شكله هيك؟ وليش طالت اليمين مش اليسار؟. وبعدما أطال طفلها الرضاعة بشكل مذهل. سألتها دون تردد، شو بيعمل خالتو؟ فأجابت: بيشرب حليب. فوراً تبادر لذهني أن الجزء الأيمن من الصدر المرأة للحليب ولهذا السبب إختارت اليمين، والجزء الثاني شيء آخر. بعدها بفترة قصيرة، تكررت هذه العملية مرة اخرى أمامي فقلت لها “خالتو ليش دايماً بتشربيه حليب، شربيه من هاد – في اشارة للجزء الثاني من صدرها” على أساس أنه شيء آخر، وتفاجئت أيضاً بأنه حليب.

هذه المواقف ربما تكون مضحكة بعض الشيء – ربما -، ولكنها كانت واقعاً يوماً ما. وبعد هذا القول، بكل صدق أدعوا ربّي “مُنيرّ دربي” بأن يغلق هذا الباب الذي فتح فجأة على مصرعيه على يد أحمد وإيهاب وميّ. باب الـ “نوستالجيا”، كون بقائه مفتوحاً سيُبقي شهيتي مفتوحة معه للكتابة مجدداً عن الكثير من المواقف  والممارسات التي مارستها في طفولتي بدون وعي، أو إدراك، أو من باب الإكتشاف أو حب الاطلاع. في زمن لم يكن فيه جوجل موجوداً لأبحث فيه عن الاختلاف بين الجنسين او كيف يحصل الحمل، او ماذا يوجد في ثدي المرأة. وفهمكم كفاية.

______________________
النوستالجيا: حسب الموسوعة الحرة “ويكيبيديا” هي كلمة يونانية الأصل، وتعني /الشوق/ الحنين الى الماضي/ الألم/ الإكتئاب. وكانت فيما سبق تشير إلي الألم الذي يعانيه المريض إثر حنينه للعودة لبيته وخوفه من عدم تمكنه من ذلك للأبد.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: