الخروج عارياً!

صورة

لقد إستهلكت من ذاكرتي الكثير في محاولة للإجابة عن هذا السؤال العبثي “هل يمكن أن يستفيق الكائن البشري ليجد نفسه في مكان آخر؟” في الحقيقة وجدت الإجابة بعد الاستعانة بشخص آخر، وكانت المهمة أقل تركيباً مما كنت أتخيل، ولكن لم يكن هذا الإستهلاك العقلي عبثاً، حيث إجابة  أحد الأشخاص كانت منطقية جداً حيث قال:”في موتك، قبل خروجك عارياً اما الى الجنة أو جهنم”، وهنا سأسرد مواقف كنت قد خرجت فيها عارياً، وعارياً الى جهنم.

في فترة دراستي الجامعية كان يستهويني الجلوس مع الطلاب الذين ينتمون للحركات الاسلامية واليسارية للنقاش في الشأن العام. وكانت قد تكونت لدي قناعات مختلفة حول العديد من المجموعات الشبابية التي تنتمي الى أطياف مختلفة. فمثلاً تكونت لدي قناعة “شخصية” بأن اليسارجيين هم الأكثر قرفاً في النقاش، حيث يمكن ان يصل بهم الحال للقول بأن زلازل اليابان أحد النتائج الربانية لتوقيع السلطة “اتفاق اوسلو” مع اسرائيل. و في إحدى الفترات شَكَلت علاقة زمالة “وطيدة” ببعض الأشخاص الكرام من الجماعة الإسلامية في الجامعة “الاطار الطلابي للجهاد الاسلامي”، وكنا نجلس سوياً بشكل متواصل لنتحدث في أمور مختلفة – بالرغم ان هذا لم يرق لبعض الأصدقاء – وكان ما يربطني بهم علاقة زمالة دراسية داخل إطار الجامعة فقط. وكان هنالك درجة كبيرة من الاحترام المتبادل بيننا بالرغم من الاختلاف الكبير في الأفكار، إلا أن جاء ذلك اليوم، الذي أدركت فيه أن هنالك فجوة كبيرة بيني وبينهم أكبر من الأفكار والمبادئ ووجهات النظر.

في رمضان من نفس العام كنت في أوج مرحلة العودة الى الذات، وحصلت على تصريح لزيارة المسجد الأقصى، وكانت تلك المرة الثانية التي أزور فيها القدس في حياتي، وشاءت الأقدار أن أجتمع بأحد الأخوة من الجماعة الاسلامية هناك وبقيت برفقته. وعلمت فيما بعد أنه على علاقة صداقة بأحد الشباب “السلفيين” المرابطين في الأقصى وهو من رام الله وإسمه “نبهان”، وعلمت أيضاً أنه تخرج من كلية الشريعة بجامعة القدس. حينها طلبت من رفيقي أن يجمعني به فرفض وعلل ذلك بأني سيء في تعاملي مع هذه النوعية من الناس، وهو في الغالب إنسان منغلق على نفسه. وحدثته بأني سأطلب رأيه في موضوع ما كونه خريج جامعي في الشريعة، وحدث ذلك فعلاً، وسألته: “شخص ما سرق، ولم يكفر عن ذنبه حتى اليوم، ما الحكم عليه في ذلك؟” فأجاب بنوع من الفلسفة: في الشريعة الاسلامية السارق تقطع يده. فنظرت الى من معي وقلت على مسمع الشيخ: ماذا لو أقول له أنه قبل فتاة من فمها، أو أنه تحسس ثدي مرضعة؟ ماذا كان سيجيب؟ فقال: “حينها سيذهب الى جهنم عارياً”.

 فهم رفيقي بأن هذا الشخص الذي تخصه الفتوى هو أنا، ولم يتوانى في طرح أسئلته، وسألني إن فعلاً قبلت فتاة؟ قلت نعم. فقال: غيرت فكرتي عنك .. سألته: ليش يعني، وكيف كنت تنظر لي قبل هالكلام؟ قال: ” كنت متوقعك خلوق”. طيب وهلأ أنا مش خلوق؟ شو الي تغير؟ فقال: “الي تغير اني مدرك ذهابك لجهنم الآن” ومن شدة اندهاشي من كلامه سألته ساخراً: سأذهب عارياً؟ وبعدها وجدت ان القصة انتشرت بين جماعته ولكن بصورة أضخم وفواحش أكثر، وقطعت العلاقة التي بيننا، كوني لم أكن بحاجة لأبرر لأي منهم ما أفعله بقناعتي التامة، وفضلت ان أذهب بحكمهم عارياً الى جهنم على التبرير لهم.

ربما يتفاجئ البعض بالقول أن هذا الشخص السارق الذي سألت عنه هو أنا، حيث في صغري شائت الأقدار أن أقضي معظم الوقت إما في منزل عمّي، أو منزل جدّي، حيث أن والدي طيلة تلك السنوات كان كثير السفر الى الأردن برفة والدتي لعلاج أخي “الراحل” في مشفى الأمّل في العاصمة الأردنية عمّان، وكان سفرهم يطول جداً، أحياناً يستمر لأشهر. وفي أحد الأيام كان مع أحد الطلاب في الصف  كتاب -طبعة اولى- لرسومات ناجي العلي “يبدو انه سرقه من والده” فعرض علي شرائه  بـ “7 شيكل” وكان مصروفي حينها “شيكل يومياً” فجمعت من المبلغ 4 شيكل في أربع ايام، وبعد ان أصر على الاستعجال سرقت “طنجرة ألمنيوم” وقمت ببيعها بعدما أتلفتها كخردة وأخذت كتاب ناجي العلي الذي ما زلت احتفظ به حتى اليوم، وبهذا الشكل تمت عملية السرقة بالرغم انه كان ممكناً طلب المبلغ مم هم حولي ولكن إخترت هذا الطريق.

صديق عزيز حدثني بحرقة ذات مرّة وقال أن الفكرة السائدة لدى البعض عنه سيئة جداً، فسألته وهل ترى نفسك سيء؟ فقال نوعا ما لا. وهو بالفعل ليس كذلك. وذهلت صدقاً عندما لاحظت ولامست أنه يسعى جاهداً أن يغير نفسه من أجلهم، فحدثته عن إمتعاضي من هذا الشيء، وقلت له أنت لست سيء لتحاول تغيير نفسك يا صاحبي، وما تفعله ليس شيئاً جيداً. فليس من الحكمة أن تفقد الثقة بذاتك، وطالما لديك قناعة مسبقة بأنك لست سيء لماذا لا تؤكد لهم ما أنت عليه الآن، أفضل من الذهاب بعيداً بهذا التغيير “الفاضي”، غيرك في نظرهم سيستفيق من نومه ليرى نفسه في جهنم عارياً، ولا يبالي، ما القيمة لوجودهم في حياتك والإهتمام بهم  طالما هم لا يؤمنون بذاتك وأخلاقك؟

من سخرية القدر أن صديقي هذا سمعته يحدث شخص آخر مؤخراً ويقول له: “عندما يأتون إليك ويقولون بأنك سيء أكد على ذلك، نعم قل لهم وأكثر من ذلك ولا تبرر لهم ما يقولون، وإن لم يعجبهم ذلك اشتمهم بقبح، وإن جاءوا وقالوا عنك كافر أكد على ذلك أيضاً، وإياك أن تبرر لهم ولن تذهب عارياً لأي مكان صدقني، فهم لا يمتلكون صكوكاً، والله لم يستخلفهم بالأرض كونه يدري قبحهم. لا تخف. قوي قلبك وأكد على كلامهم وسب اختهم بمسبة عاطلة” وكنت سعيداً جداً وانا أسمع ذلك.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: