Archive for 11 ديسمبر, 2013

هكذا فقط أتحدث عن الماضي!

11 ديسمبر 2013

صورة

الكثير ممن هم حولي يدرك مدى رفضي لفكرة الماضي والتعلق به والتباكي عليه سواء كان مليئاً بالحزن أو بالفرح. ولكن أكتب بهذا الخصوص كون هذا الأسبوع كان كفيلاً بربطي بلحظات كثيرة من الماضي. حيث قبل أيام فاجئني صديقي “أحمد” بقوله مُبتسماً: فلان إبن فلان إبن فلان بسلم عليك. يا الله! هذا الشخص كان موجود بتفاصيل طفولتي بشكل كبير. نعم كان زميلي في فترة الإبتدائي، بتعرف يا احمد انه آخر مرة سمعت إسمه كانت من سنوات طويلة جداً؟ كيف حاله، وشو أخباره؟. هو بخير وكان سعيد جداً عندما أخبرته انك بخير أيضاً. وذهبت بعيداً أتذكر مواقف حصلت وهو برفقتي.

أول أمس، العزيز “إيهاب” أرسل لي قصيدة انتهى من كتابتها باللغة العربية وبالرغم من الأخطاء الإملائية كون كتاباته الأدبية السابقة جميعها كانت باللغة الانجليزية. ألا أنها كانت رائعة بحق، وأثارت بداخلي شعور ما كنت قد إفتقدته مؤخراً. شعور شبيه بالحنين لنصف الحب المفقود. دائماً ما كنت أحدث أُمي -حتى وأنا صغير- أن إيهاب الذي يصغرني بأربعون يوماً سيكون صاحب إبداع في هذه الدنيا -ويا أخي ما أجمل انك تتوقع شي بهالدنيا ويحصل- كونه على الدوام كان وما زال ينجح في نقلي من حياة الى أخرى وقتما يشاء سواء بكلامه أو كتاباته أو بمجرد الجلوس معه. عدا عن كونه الوحيد الذي يدرك أن تفكيري كان بسيطاً لدرجة السذاجة في فترة من الفترات.

صديقتي “ميّ” أخبرتني بأن أخاها قام بتسمية طفلته الجديدة بإسم “نوستالجيا”. فور سماعي للإسم قلت: يا حرام، شو ذنبها، بكرا بتتعقد من هالإسم. فقالت: يعني بتعرف شو معنى نوستالجيا؟. آه طبعاً، وأحد الأصدقاء حدثني عن رواية لكاتب مصري بهذا الإسم. ولم أتخيل للحظة بأن قولي هذا سيفتح امامها مجال كبير لتسألني عن الماضي وطفولتي. وهروباً من أسئلتها التي لم أستسيغها، ووعدتها بأن أسرد مواقف كانت قد حصلت في طفولتي، وهذه هي.

 في سنّ ما كنت على الدوام أجلس أمام المرآة في غرفة والدَيّ، وكنت أقوم بآداء حركات مختلفة لأشاهد إن كان الشخص الذي أمامي في المرآة سيعمل على تقليدي أم لا. وفي كثير من الأحيان كنت أتعمد أن تكون الحركات أصعب وأن تتم بصورة أسرع ظناً مني بأن هذا الشخص سيفشل في تقليدي بسبب سرعة حركتي و”حيتلخبط”. وفي إحدى المرات خطر على بالي أن أبتعد عن المرآة مسافة كبيرة وأختبئ وأعود مسرعاً لأنظر إليها بشكل مفاجئ، وفي لحظة عودتي مسرعاً كنت قد شاهدت والدي في المرآة خلفي بعدما دخل الغرفة دون أن انتبه. صدقاً كان مشهد مرعباً، وبكيت حينها.

بسبب سياسة العيب التي تربيت عليها والتغييب الذي مورس عليّ وانا صغير –وغيري الكثير-  كانت قد تكونت لدي قناعة أن الأطفال يأتون من خلال التقبيل بين أي جنسين مختلفين –يا أخي كنت بريء-. وفي تلك الفترة كان يأتي الى مدرستنا في مخيم الأمعّري طالبات متدربات كل عام لفترة قصيرة ويغادرون. في آخر يوم تدريبي لطالبات كلية “دار المعلمين” التابعة لوكالة الغوث قبلتني فتاة متدربة تُدعى نورة، وكانت متزوجة، بَكيت كثيراً حينها كون الكثير من الطلاب عايرني بهذا، عدا عن فكرة الحمل التي كانت تجول بخاطري والعيب. بعد عام واحد فقط عادت نورة الى المدرسة مجدداً، ومن سخرية القدر أنها كانت حامل. بإمكانكم تخّيل شعور الخوف الذي انتابني حينها بسبب تكوّر بطنها. حينها توقفت عن حضور حصّة العربي التي كانت تأتي نورة إليها.

ذات مرة زارت إحداهُن أمي، وكان معها طفلها الذي كان يبلغ من عمره عام على أبعد تقدير. ومن شدة بكاء طفلها أخرجت صدرها لترضعه، كنت اراقب هذه العملية عن قرب وبذهول كبير جداً. حيث كانت المرة الأولى التي تخرج إحداهن صدرها لترضع إبنها أمامي، وأرى صدرها بكافة تفاصيله. ولم أكن أعرف صدقاً طبيعة الشيء الموجود بداخله، وتسائلت كثيراً حينها، هو شو بيعمل؟ وليش شكله هيك؟ وليش طالت اليمين مش اليسار؟. وبعدما أطال طفلها الرضاعة بشكل مذهل. سألتها دون تردد، شو بيعمل خالتو؟ فأجابت: بيشرب حليب. فوراً تبادر لذهني أن الجزء الأيمن من الصدر المرأة للحليب ولهذا السبب إختارت اليمين، والجزء الثاني شيء آخر. بعدها بفترة قصيرة، تكررت هذه العملية مرة اخرى أمامي فقلت لها “خالتو ليش دايماً بتشربيه حليب، شربيه من هاد – في اشارة للجزء الثاني من صدرها” على أساس أنه شيء آخر، وتفاجئت أيضاً بأنه حليب.

هذه المواقف ربما تكون مضحكة بعض الشيء – ربما -، ولكنها كانت واقعاً يوماً ما. وبعد هذا القول، بكل صدق أدعوا ربّي “مُنيرّ دربي” بأن يغلق هذا الباب الذي فتح فجأة على مصرعيه على يد أحمد وإيهاب وميّ. باب الـ “نوستالجيا”، كون بقائه مفتوحاً سيُبقي شهيتي مفتوحة معه للكتابة مجدداً عن الكثير من المواقف  والممارسات التي مارستها في طفولتي بدون وعي، أو إدراك، أو من باب الإكتشاف أو حب الاطلاع. في زمن لم يكن فيه جوجل موجوداً لأبحث فيه عن الاختلاف بين الجنسين او كيف يحصل الحمل، او ماذا يوجد في ثدي المرأة. وفهمكم كفاية.

______________________
النوستالجيا: حسب الموسوعة الحرة “ويكيبيديا” هي كلمة يونانية الأصل، وتعني /الشوق/ الحنين الى الماضي/ الألم/ الإكتئاب. وكانت فيما سبق تشير إلي الألم الذي يعانيه المريض إثر حنينه للعودة لبيته وخوفه من عدم تمكنه من ذلك للأبد.

Advertisements

الخروج عارياً!

6 ديسمبر 2013

صورة

لقد إستهلكت من ذاكرتي الكثير في محاولة للإجابة عن هذا السؤال العبثي “هل يمكن أن يستفيق الكائن البشري ليجد نفسه في مكان آخر؟” في الحقيقة وجدت الإجابة بعد الاستعانة بشخص آخر، وكانت المهمة أقل تركيباً مما كنت أتخيل، ولكن لم يكن هذا الإستهلاك العقلي عبثاً، حيث إجابة  أحد الأشخاص كانت منطقية جداً حيث قال:”في موتك، قبل خروجك عارياً اما الى الجنة أو جهنم”، وهنا سأسرد مواقف كنت قد خرجت فيها عارياً، وعارياً الى جهنم.

في فترة دراستي الجامعية كان يستهويني الجلوس مع الطلاب الذين ينتمون للحركات الاسلامية واليسارية للنقاش في الشأن العام. وكانت قد تكونت لدي قناعات مختلفة حول العديد من المجموعات الشبابية التي تنتمي الى أطياف مختلفة. فمثلاً تكونت لدي قناعة “شخصية” بأن اليسارجيين هم الأكثر قرفاً في النقاش، حيث يمكن ان يصل بهم الحال للقول بأن زلازل اليابان أحد النتائج الربانية لتوقيع السلطة “اتفاق اوسلو” مع اسرائيل. و في إحدى الفترات شَكَلت علاقة زمالة “وطيدة” ببعض الأشخاص الكرام من الجماعة الإسلامية في الجامعة “الاطار الطلابي للجهاد الاسلامي”، وكنا نجلس سوياً بشكل متواصل لنتحدث في أمور مختلفة – بالرغم ان هذا لم يرق لبعض الأصدقاء – وكان ما يربطني بهم علاقة زمالة دراسية داخل إطار الجامعة فقط. وكان هنالك درجة كبيرة من الاحترام المتبادل بيننا بالرغم من الاختلاف الكبير في الأفكار، إلا أن جاء ذلك اليوم، الذي أدركت فيه أن هنالك فجوة كبيرة بيني وبينهم أكبر من الأفكار والمبادئ ووجهات النظر.

في رمضان من نفس العام كنت في أوج مرحلة العودة الى الذات، وحصلت على تصريح لزيارة المسجد الأقصى، وكانت تلك المرة الثانية التي أزور فيها القدس في حياتي، وشاءت الأقدار أن أجتمع بأحد الأخوة من الجماعة الاسلامية هناك وبقيت برفقته. وعلمت فيما بعد أنه على علاقة صداقة بأحد الشباب “السلفيين” المرابطين في الأقصى وهو من رام الله وإسمه “نبهان”، وعلمت أيضاً أنه تخرج من كلية الشريعة بجامعة القدس. حينها طلبت من رفيقي أن يجمعني به فرفض وعلل ذلك بأني سيء في تعاملي مع هذه النوعية من الناس، وهو في الغالب إنسان منغلق على نفسه. وحدثته بأني سأطلب رأيه في موضوع ما كونه خريج جامعي في الشريعة، وحدث ذلك فعلاً، وسألته: “شخص ما سرق، ولم يكفر عن ذنبه حتى اليوم، ما الحكم عليه في ذلك؟” فأجاب بنوع من الفلسفة: في الشريعة الاسلامية السارق تقطع يده. فنظرت الى من معي وقلت على مسمع الشيخ: ماذا لو أقول له أنه قبل فتاة من فمها، أو أنه تحسس ثدي مرضعة؟ ماذا كان سيجيب؟ فقال: “حينها سيذهب الى جهنم عارياً”.

 فهم رفيقي بأن هذا الشخص الذي تخصه الفتوى هو أنا، ولم يتوانى في طرح أسئلته، وسألني إن فعلاً قبلت فتاة؟ قلت نعم. فقال: غيرت فكرتي عنك .. سألته: ليش يعني، وكيف كنت تنظر لي قبل هالكلام؟ قال: ” كنت متوقعك خلوق”. طيب وهلأ أنا مش خلوق؟ شو الي تغير؟ فقال: “الي تغير اني مدرك ذهابك لجهنم الآن” ومن شدة اندهاشي من كلامه سألته ساخراً: سأذهب عارياً؟ وبعدها وجدت ان القصة انتشرت بين جماعته ولكن بصورة أضخم وفواحش أكثر، وقطعت العلاقة التي بيننا، كوني لم أكن بحاجة لأبرر لأي منهم ما أفعله بقناعتي التامة، وفضلت ان أذهب بحكمهم عارياً الى جهنم على التبرير لهم.

ربما يتفاجئ البعض بالقول أن هذا الشخص السارق الذي سألت عنه هو أنا، حيث في صغري شائت الأقدار أن أقضي معظم الوقت إما في منزل عمّي، أو منزل جدّي، حيث أن والدي طيلة تلك السنوات كان كثير السفر الى الأردن برفة والدتي لعلاج أخي “الراحل” في مشفى الأمّل في العاصمة الأردنية عمّان، وكان سفرهم يطول جداً، أحياناً يستمر لأشهر. وفي أحد الأيام كان مع أحد الطلاب في الصف  كتاب -طبعة اولى- لرسومات ناجي العلي “يبدو انه سرقه من والده” فعرض علي شرائه  بـ “7 شيكل” وكان مصروفي حينها “شيكل يومياً” فجمعت من المبلغ 4 شيكل في أربع ايام، وبعد ان أصر على الاستعجال سرقت “طنجرة ألمنيوم” وقمت ببيعها بعدما أتلفتها كخردة وأخذت كتاب ناجي العلي الذي ما زلت احتفظ به حتى اليوم، وبهذا الشكل تمت عملية السرقة بالرغم انه كان ممكناً طلب المبلغ مم هم حولي ولكن إخترت هذا الطريق.

صديق عزيز حدثني بحرقة ذات مرّة وقال أن الفكرة السائدة لدى البعض عنه سيئة جداً، فسألته وهل ترى نفسك سيء؟ فقال نوعا ما لا. وهو بالفعل ليس كذلك. وذهلت صدقاً عندما لاحظت ولامست أنه يسعى جاهداً أن يغير نفسه من أجلهم، فحدثته عن إمتعاضي من هذا الشيء، وقلت له أنت لست سيء لتحاول تغيير نفسك يا صاحبي، وما تفعله ليس شيئاً جيداً. فليس من الحكمة أن تفقد الثقة بذاتك، وطالما لديك قناعة مسبقة بأنك لست سيء لماذا لا تؤكد لهم ما أنت عليه الآن، أفضل من الذهاب بعيداً بهذا التغيير “الفاضي”، غيرك في نظرهم سيستفيق من نومه ليرى نفسه في جهنم عارياً، ولا يبالي، ما القيمة لوجودهم في حياتك والإهتمام بهم  طالما هم لا يؤمنون بذاتك وأخلاقك؟

من سخرية القدر أن صديقي هذا سمعته يحدث شخص آخر مؤخراً ويقول له: “عندما يأتون إليك ويقولون بأنك سيء أكد على ذلك، نعم قل لهم وأكثر من ذلك ولا تبرر لهم ما يقولون، وإن لم يعجبهم ذلك اشتمهم بقبح، وإن جاءوا وقالوا عنك كافر أكد على ذلك أيضاً، وإياك أن تبرر لهم ولن تذهب عارياً لأي مكان صدقني، فهم لا يمتلكون صكوكاً، والله لم يستخلفهم بالأرض كونه يدري قبحهم. لا تخف. قوي قلبك وأكد على كلامهم وسب اختهم بمسبة عاطلة” وكنت سعيداً جداً وانا أسمع ذلك.