رسالة إلى العزيز إيهاب

عزيزي إيهاب، طالما كنت مؤمناً بك. ومازلت مؤمناً أيضاً أنك لست مثلهم، فأنت صاحب رداء واحد، ووجه واحد وقلب واحد. ولدي الجرأة الكاملة أن أعترف لك، أنه مع مرور هذا الوقت الطويل “السبع سنوات” التي خَلت وهي الفترة التي إبتعدنا فيها “فيزيائياً” لأسباب الدراسة، لم أجد أحد أزعِجُهُ ويكون فرحاً في هذه الدنيا غيرك، وبالرغم أن هنالك أصدقاء صادقين أمنت بحبهم ومحبتهم، إلا أني كنت دوماً أبحث عن شخص يمتلك رؤى مغايرة للحياة، ويفهم طبيعة من حوله جيداً، كما أنت.

بالرغم من الإنهيار التدريجي والذي يتم بشكل ممنهج لذاكرتي مؤخراً، وفقداني للكثير من التفاصيل التي من المفترض أن يحافظ عليها الإنسان كصورة للماضي الجميل – ربما- ، إلا أنّي ما زلت متعمداً أحتفظ بذكريات كانت بصحبتك يوماً، وسعيت جاهداً أن لا يطالها هذا الانهيار، ففي هذه الحياة يا صديقي الكثير من العقول المُغلقة الغير مبرمجة على استيعابك كلما تَكبر، والمنغلقة على ذاتها ولا تتقبلك ان إختلفت معها مرحلياً. ومن الصعب يا صديقي أن تجد في هذه الحياة البائسة والتي طالما ألعنها “كوني على إيمان مطلق بأن حياة أخرى بداخلينا أجمل وأخف بؤساً منها”، من الصعب أن تجد فيها أشخاص يتقبلوك على طبيعتك كما أنت البسيط، دون أن تتلون لهم وتلبس لهم ألف رداء.

لا أخفيك سراً أني إنزعجت كثيراً من آخر حديث كان قد دار بيننا، وحين قرأت في كلامك “التعب”، شعرت “بغصة” في قلبي، لا اعرف سبب ذلك صدقني، -ربما- لأنك قليل الشكوى والتذمر، أم كوني إعتدت أن أضحك على ضحكتك الهستيرية في المواقف الجميلة؟. كُنت قد ذهبت بعيداً بذاكرتي تلك الليلة الى ما قبل ثلاثة عشر عاماً يا إيهاب، عندما كنا نجلس على مدرج مدرسة الوكالة بلباسنا الأزرق، وقلت لي وانت تشير الى طالب في الصف التاسع “نيالو، هاي آخر سنة الو بالمدرسة، فكرك مطولين احنا عبال ما نخلص؟” وقلت في نفسي لماذا كنا نطمح في أن نسابق الزمن لكي نكبر، ولماذا كنا على الدوام نرفض طفولتنا؟

أنا أتسائل يا ايهاب – هل لأننا قرأنا لقطب وكنفاني في وقت كان من هم بأعمارنا يقرأ القصص المصورة ذات التسّع صفحات، أم لأننا كنا نرسم ما رسمه ناجي العلي عن عرفات وأبو الزعيم في حصة الفن، أم لأننا كتبنا عن الوحدة العربية في موضوع تعبير وضحك علينا استاذنا حينها؟ أم كنا نريد لهذا “التَعَب” أن يأتي مبكراً؟ ربما هي الأخيرة. طالما كانت تحدثني إحداهُنّ عن سعادة طفولتها، وسألتني “ما أجمل موقف في طفولتك” تخيل، لا ادري ماذا كنت ستجيب لو وجه السؤال لك، هل ستبتسم وتمضي؟ طفولتها الجميلة كانت بائسة يا صاحبي، يمكنك تخيل ذلك كونها لم تقرأ سوى لاحلام مستغانمي طيلة حياتها.

لم نعد أطفالاً يابو شادي، والآن ها نحن نعيش الحقيقة، نعيش هذا الوجود الهَش، بالرغم أن الحياة قصيرة حتى “الملل” ولكن لم نعد أطفال .. ولهذا ترى الحُزن يكبر في أعيننا في كل يوم كما يكبر في داخل قلوبنا التَعب، ربما هو القدر الذي خلقنا في طفولة رثة وفي حياة رثة مليئة بأولاد “الشليتة” ولكن كُن على يقين بأن السعداء في هذا الكون الذي نضيق به ذعراً الآن لا ولن يؤخذ برأيهم أبداً فهم ما زالو أطفالاً ولم يكبروا بعد، ليس مثل الذين يكبرون ويكبر كل شيء متعب معهم.

لا يا إيهاب، أنا لا أكتب الآن إليك كوني أحنُ الى الماضي يا صديقي، فأنت تعرف أن الحنين لا يستهويني، نعم .. الحنين متوقف عندي، تأكد أنه متوقف تماماً، ولدي من التجربة “الإنسانية” في هذه الفترة القصيرة ما يكفي لأقول لك بأن الحنين والمشاعر والعواطف التي بداخلنا ما هي الا مواد هلامية، وأن ما هو حقيقي بداخلنا هو فقط ذكاء الروح، وربما تتسائل.. وماذا بعد الآن، وهل بعد هذا المأساة؟ أبداً، وهل يوجد أعظم من “تَعب القلب” يا صاحبي ليأتي بعده تعب؟. لا تقلق، فهنالك جزءاً في القلب لا يصيبة التعب ويمكن أن نَقِصُ ونلعن من خلاله ما يحلوا لنا، فما زالت الحياة مليئة بأولاد الشليتة لنلعنهم، فأنا أكتب لك لأذكرك بأننا اخترنا هذا الطريق بمحض ارادتنا. لقد بَلغنا في طفولتنا وشِخنا في شبابنا فلذلك نحن نعاني الآن، وأكتب لك كوني أخشى – بصدق- ان افقد هذا الجزء من الذكرى التي كنا نغني فيها يومياً، اتذكر كيف كنا نغني؟.

الآن يا صديقي، أنا أنتظر الشتاء، كنت قد قررت أن ازورك في نوفمبر الحالي، ولكن تأخر الشتاء قليلاً، سآتي لنشوي الكستناء على “الصّوبة” ونشرب القهوة، ونتحدث في الكثير من الأمور، وسأسمعك دقائق كثيرة للعباقرة محمد حمام، وصالح عبد الحي، وزياد ووالدته القديسة نهاد، ورشا ودرصاف ولينا شماميان وريبال الخضري وجاهدة وهبة، هؤلاء يا ايهاب .. هؤلاء فقط من يمكن الاعتماد عليهم في ازالة التعب.. والى ذلك الحين كُن بخير فقط، فلا نهاية لأي شيء في هذه الحياة، بل النهاية فيها هي الوجود في أجمل لحظاته.

صديقك المُحب: بهاء
حررت في رام الله / فجر الرابع والعشرين من تشرين الثاني.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: