ثملتُ حتى تمثلت بطائرة ورقية!

صورة

 منذ ما يقارب العامين، كنت قد إتخذت قراراً بالتخلي عن فكرة “الشغف” في التواصل مع البشر، وربما الكثير ممن هم حولي قد لامس هذا الأمر، كنت شغوفاً بفكرة الإتصال والتواصل مع الجميع وكأنني في “علاقة مفتوحة”، وكانت أولى خطوات ذلك التخلي هي إبتعادي عن العمل كإداري في أكبر الملتقيات التنظيمية لحركة فتح، والذي تخلت عنه فتح واغلق لاحقاً – كم سيئة فتح اعلامياً .. دائماً ما كنت تقولها لي- ، وحينها بدأت تدريجياً أفتقد الشغف تجاه الأشياء بشكل عام، ومؤخراً وصلت الى حالة من اللامبالاة الشديدة جداً، ولا تتفاجئ إن قلت لك أني “فيزيائياً” لم أتواصل بصورة مستمرة مع أكثر من 4 أشخاص هذا العام، وفي هذا الشهر تواصلي الفيزيائي لم يكن سوى مع شخص واحد فقط.

ربما يمكن وصف تلك المرحلة التي دخلت بها بمرحلة “الإعتكاف الطويل” فلا شيء أصبح حينها يثيرني أو يستهويني، وجل إهتماماتي أصبحت سطحية جداً، وغالبية وقتي كنت أقضيه في سماع الأغاني، ومشاهدة الأفلام وقراءة الروايات، حتى أني لم أفوت أي فيلم من انتاجات هذا العام – كم عظيمة هوليوود يا صديقي- ، وكنت أغني في الكثير من الأحيان مع فيروز، حتى أدركت هذه النعمة التي أنعم الله علينا بها والمسماة “نهاد وديع حداد”، ومن السخيف القول أني قرأت رواية “شرف” لـ صنع الله ابراهيم ثلاث مرات متتالية، وفي كل مرة كنت أشعر بأني أقرأها لأول مرة.. ربما السبب أنه في كل مرة قرأتها فيها كنت اشعر بأن هنالك حثالة كُثر حولنا وما كان يغيظني أنهم بشر مثلنا. ولا يخفى عليك يا صديقي .. في الكثير من الليالي كنت أواجه مشاهد من الخوف والرعب، وتصاحبها ألام شديدة في الصدر من كمية “الدخان” الكبيرة التي كانت تدخل إليه يومياً ولم أكن أعلم سبب تلك المشاهد المخيفة، ولكن كنت أواجهها بوقاحة شديدة من اللامبالاة وبجرأة كبيرة، حتى أدركت ان حالة التلبد التي أعيشها أكسبتني فائدة عظيمة وهي “الوقاحة في النظر الى المستقبل”.

إن الإبتعاد بشكل كامل عن دائرة الحدث والشأن العام كان إحدى أهم المكاسب التي جنيتها من حالة الإعتكاف تلك، فطوال الفترة الماضية لم أكن جزءاً من أي مبادرة إجتماعية أو سياسية كانت قد طرحت أمامي، فتخليت تماماً عن جميع المبادرات التي كنت أنتمى إليها سابقاً، دون أن أبرر سبب هذا التخلي للقائمين عليها، حتى تلك المبادرة التي بُني عليها آمال كبيرة لإثراء المحتوى الفلسطيني شبابياً “دونّ، غردّ، انشر” كانت سترى النور لولا رفضي لها في آخر لحظة، وبالإضافة لذلك تعمدت أن لا احوار أشخاص لا أعرفهم، خصوصاً الأشخاص الذين يختلفون مع توجهي السياسي، وبالمجمل كنت قد اعتبرت نفسي من “حزب القاعدين ع القهوة”وجزء لا يتجزء من الأغلبية الصامتة التي تصفق دوماً لجميع من يخرج الى شاشة التلفاز ليتحدث، بالرغم من إدراكهم بأنه لا يتحدث إليهم، ولكن اختلفت عنهم فقط في التصفيق، فأنا طالما لم أصفق لشخص دائماً ما يعتبرنا قطيع ماعز بقوله “سَنُضحي” وأولاده خارج هذه المعادلة. واكتشفت بأن الإنسان طالما هو بعيد كل البعد عن “المشهد العام” فهو من الطبيعي بأن يكون ليس بحاجة الى هذا القدر الكبير من الناس حوله، وخصوصاً إن كان لا يستطيع ان يقدم شيئاً مفيداً لهم، وبناء على ذلك إنهارت أمامي دائرة العلاقات مع الناس، وأدركت حينها ان انهيارها يحمي الروح من الكثير من الكذب والتملق، فكثير من الأقنعة قد سقطت .. حاول أن تضرب هذه الدائرة يا صديقي، وسترى أن خسارة البعض ستكون رأس مالك في الدنيا.

لا أدرى إن كانت لحظة الثمالة التي شعرت بها في إحدى الليالي حقيقة أم خيال، ولا أهتم لمعرفة هذا الأمر صدقاً، ولكن ما أذكره جيداً أني أكثرت من سماع الموسيقى والتدخين وكانت تلك الليلة مصحوبة بلحظة جنونية، تخيلت نفسي طائرة ورقية تطير لوحدها ومربوطة بـ”آنتين” فوق سطح منزلنا القديم في مخيم اللاجئين … وربما تَجسُدي بطائرة ورقية وفوق منزلنا القديم الذي لا يوجد لي ذكريات فيه لم يأتي من فراغ، فدوماً ما كنت أحلم أن أصنع طائرة ورقية كبيرة، وبالرغم أني لم أحاول يوماً ولكن كنت أحلم بذلك فقط، وربما تحليقي فوق المخيم كان لسبب أن إبن عمي قد اصطحبني الى ذلك المنزل في العيد الماضي، نعم – طرق على باب المنزل وخرج ذلك العجوز وسمح لنا بالدخول وشاهدت تلك الغرفة التي كنا نعيش بها انا ووالدي وأخي المتواجد بجوار ربه الآن، وفي تلك اللحظة لم أشعر بشيء بداخلي يذكرني بأن هذا المكان كنت قد قضيت فيه 5 سنوات من حياتي، ولم أتذكر موقفاً واحداً صغيراً يربطني بهذا المنزل, أدركت بعدها بأن هذا نتاج العزلة والأعتكاف الذي إخترته.

الشعور بأنك طائرة ورقية أمر جميل، وفوق مكان لا ذكريات لك فيه في غاية الجمال أيضاً، ربما يكون مستغرباً هذا الأمر وربما يكون جميع حديثي هذا هذيان عن تلك اللحظة التي كنت قد مررت بها في تلك الليلة وليس له معنى، ولكن بالنسبة لي له معنى كبير كوني أشعر بأني طائرة ورقية متحررة من كل شيء، ولا يربطني بالواقع الا ذلك الحبل. أيعقل ان تكون هذه “الحياة الأخرى” التي طالما تحدثني بها؟ ربما .. خصوصاً أني على قناعة الآن بأن حياتنا اليومية والتفاصيل التي فيها ليست كل شيء حولنا، فهنالك حياة أخرى بداخلنا.

دائماً ما كنت تقول لي “الي بيخبي القول ما يبقاش ولد” فلهذا كتبت لك مرة أخرى يا صديقي، وصدقاً.. لا أعرف ماذا يمكن أن أقول لك بعد الآن، فقلبي مُتعِبٌ ومُتعَب يا صديقي، فقد سرى الحنين في أوصالي مؤخراً وظلمت نفسي وكتبت لها أسطر مؤلمة، يا لهذا البؤس .. كُن بالجوار فقط لتشاهد ذلك، وكُن على يقين بأني دوماً بخير.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: