فلتغفر لي يا صديقي!

صورة

كنت خجلاً عندما إتصل بي قبل شهر بعدما ضاقت به السبل للوصول إلي وبعدما قطعت عنه اخباري، كنت خجلاً كوني شاهدته في شارع الحمراء في رام الله ومشيت مسرعاً كوني لا اريد أن يراني بتلك الحالة.. وفهم لاحقاً هذا الأصيل أن اللعنة قد حلت بي، وظن أن اللعنة هي من القلب فقط، وأصبح يخفف عني ويقول:”يا صديقي، الله يلعن سماك، ظننتك طلقت الرومانسية التي بداخلك منذ أعوام، ماذا حل بك؟ أجبته حينها اني فعلاً كذلك ولكن ما تبقى هو كثير من المرار وبعض من دفء القلب، فقال لي الأفضل ان تحافظ على ذكاء الروح وليس دفء القلب هذا.

 كنا قد تعلمنا أن أتفه الأشياء هي التي تُثير، فمثلاُ .. أغنية عادية ولكن عند مقطع جميل فيها ترانا نقول “الله” بصوتنا العالي، وكنا قد تعلمنا أيضاً ان الفكرة تأتي في الاختلاف وليس في التوافق وكنا على ايمان أن أي حوار يوجد فيه توافق في الآراء هو ساذج ولا يستحق ان يثار حوله أي إهتمام، والجدال التافه كان فقط ما يثيرنا، أتذكر كيف قمنا باستهلاك عبارة “الحياة في مكان آخر” نعم العبارة هي  نفسها عنوان رواية لليساري ميلان كونديرا وهي ذاتها الرواية التي رفض جاروميل الشاب حديث السن ونجم المؤتمرات والمنتديات فيها ان يضاجع فتاة خوفاً من ان تكتشف لون كلسونه الذي لا يتماشى مع الوان الموضة، تخيل يا صديقي، تخيل .. في غيابك كنت قد أكتشفت أن هنالك الكثير من جاروميل، يخافون من أمور جميلة ليحافظون على صورتهم أمام البعض.

 لا أخفيك سراً، هذا هو الشهر العاشر الذي أفقد فيه التركيز تماماً الى حد تخليت فيه عن جميع الأمور المهمة، وأصبحت أشغل نفسي في امور ليس لها أي معنى، وأنت لست غريباً عني وكونك تعرفني جيداً، نعم فقدت تركيزي الى ذلك الحد الذي تعريت فيه من ذاكرتي وتركت التفاصيل الصغيرة المهمة في حياتي لحال سبيلها، حتى أصبحت فارغ تماماً لا قيمة لما اقوم به، وبالرغم أني كنت أضحك طويلاً عندما اشاهد بعض الأمور الطريفة ولكن لم أكن أشعر بالفرح، كانت تمر تلك اللحظات كمشاهد فقط كنت اشاهدها ليكتمل مشهد التفاهة التي أعيش فيها.

 هل يمكن ان تتخيل ذلك المشهد؟ نعم، تخيله بدون أي طموح ولا حتى مستقبل، كوني مؤخراً كنت قد تخليت عن فكرة وجود المستقبل الذي كنت أناظره، ولم اعد أؤمن بأن هنالك أحلام كبيرة يمكن للمرء أن يفكر بها، حلمي الكبير الآن يا صديقي لا يكمن في وطن حُر نعيش به سوياً، بل يكمن في شرفة منزل جميلة أقرء فيها صحيفة فلسطينية “حرة” كل صباح فقط، ما رأيك بهذا الإختزال؟ .. أتذكر شهر أيلول عندما قلت لي “يا رجل أي دولة التي تريدها هنا وتحلم بها، الدولة التي نريدها ليست هنا، بل هي في مكان آخر، أتذكر؟.

 ولله الحمد يا صديقي والشكر والعّزة، أنني ما زلت أذكر كلامك لي جيداً، بالرغم من تركي لتلك التفاصيل، وربما هنالك سبب يمكن من خلاله أن اتفائل خيراً، وهو وجودك في هذه الحياة، ووجودك في الحياة هنا وليست تلك التي في المكان الآخر، وربما ذكاء الروح والبساطة التي تربينا عليها سوياً تجلعني على يقين دوماً بأنك لست مثل أولئك الذين يخافون من الامور الجميلة في سبيل المحافظة على صورتهم، فأنا على يقين انك ستكون سعيد جداً حينها حتى ولو كان لون كلسونك ليس على الموضى.

 نوبات الحنين يا صديقي، نوبات الحنين هي التي تزيد من قناعتي بأن الحياة هنا وليست في مكان آخر، يا ليتني حجر يا صديقي، وإلى ذلك الحين الذي سأقتنع به أن الحياة ليست هنا وأتجاوز الحنين وأعود الى ذكاء الروح الذي تريد، أريدك ان تكون وفياً لي ولهذه الحياة، حتى وإن سرقوا منها الأرض والنوافذ ورائحة المطر، وحتى ولو وضع رجل الامن يده على مؤخرتك “وبَعَصَك” بداعي تفتيشك، عليك أن تكون وفياً .. والآن فلتغفر لي كوني فقدت السر الكبير، ذكاء الروح يا صديقي على أمل أن تغفر لي!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: