Archive for 27 نوفمبر, 2013

تنامي الخطاب الأصولي الرافض للمرأة في فلسطين!

27 نوفمبر 2013

Image
كَثُرت في الفترة الاخيرة في رام الله وبيت لحم الدعوات لعقد ندوات وإجتماعات مُغلقة لتيارات اسلاموية وذات توجه أُصولي لمهاجمة الحركات النسوية في الأراضي الفلسطينية، حيث تقول هذه الجماعات في دعواتها بأن الأطر والحركات النسوية الفلسطينية تعمل جاهدة على خلخلة البنية الأجتماعية والأخلاقية الموروثة في المجتمع الفلسطيني، وأن الانحلال الخلقي – الموجود – في هذا المجتمع سببه المرأة والأصوات الداعمة لحقوقها – على حد تعبيرها، حتى رُفعت مؤخراً قضية في إحدى محاكم مدينة “بيت لحم” ضد جمعية ذات مرجعية اصولية كونها تهاجم الأطر النسوية بإستمرار.

من خلال عملية بحث بسيطة عبر الشابكة حول هذا الموضوع يُمكن مشاهدة هذا الأمر بوضوح، حيث دعى “حزب التحرير” الفلسطيني عبر موقعه الالكتروني في أكثر من مرة مؤخراً محاربة ومواجهة المؤسسات النسوية الفلسطينية، ووضع قائمة “محاربة” تضم جميع المؤسسات النسوية العاملة في الأراضي الفلسطينية إبتداءاً من وزارة شؤون المرأة وإنتهاءاً بمؤسسات نسوية نشطة ذاتية التمويل، وذلك بحجة أن هذه المؤسسات هي أجنبية الفكر والإرتباط والتمويل، وتصفها بأنها أدوات مشبوهة بيد الإستعمار لتحقيق أغراضه في فلسطين، ووجودها ما هو الا لإفساد المرأة المسلمة – على حد تعبيرهم.

قبل ما يقارب الشهر، أعلنت حكومة غزة التي يسيطر عليها التنظيم الدولي للإخوان المسلمين بفرعه الفّلسطيني “حماس” على تعيين فتاة شابة “حسّنة المظهر” لم تبلغ الثالثة والعشرين من العمر في منصب متحدث اعلامي باللغة الإنجليزية لوسائل الإعلام الأجنبية، وصاحب قرار التعيين هذا ردات فعل وآراء عنيفة من قبل أنصار المنظومة الاخوانية في القطاع قبل غيرهم من السلفيين – الأكثر تشدداً- ، وبالرغم أن الفتاة الموهوبة ملتزمة “بغطاء الرأس” إلا أن ذلك لم يشفع لها عند أنصار التيار الاسلاموي الغزيّ على وجه الخصوص. حتى أن البعض ذهب بعيداً بكلامه الغير مقبول لمجرد أنها تتحدث الى رجال إعلاميين، وآخر هاجمها كونها لا تلبس اللباس الفضفاض وتغطي وجهها بالنقاب.

لم يَكنٌ غريباً على أنصار المنظومة الإسلاموية في قطاع غزة رفضهم لوجود الفتاة الشابة في منصب ناطق إعلامي رسمي بإسم حكومة بنظرهم هي حكومة ربانية وذات تشريع إسلامي بحّت لا يقبل التأويل، فهي ليست المرة الأولى التي عملت هذه الأنصار من خلالها على رفض ظهور العنصر النسوي في المجتمع الغزي “إعلامياً”. حيث أن هذه الأنصار كانت قد ضغطت في يوليو 2011 على حكومة حماس لمنع عرض فيلم “ماشو متوك” بالعربية “شيء جيد” للمخرج الفلسطيني خليل المزين والذي تدور أحداثه في أعقاب حرب حزيران 1967، عندما احتلت القوات الإسرائيلية قطاع غزة، بحجة أن الفيلم يحوي مشاهد منافية للآداب العامة, تبين فيما بعد أن المشهد مدته “أربع ثوان” فقط، تظهر فيه فتاة شعرها طويل تمر أمام جنود إسرائيليين ينظرون إليها بإعجاب، وبررت حماس ذلك المنع كونها تعمل جاهدة للحفاظ على موروث القيم داخل المجتمع الغزي.

قبيل أيام عمل شخوص فلسطينيون “مجهولي الهوية” ليلاً على نشر رسومات على جدران شوارع مدينة رام الله “غرافيتي”، تدعوا بطريقة أو بأخرى الى تشريع زواج المثليين من النساء، وشكلت هذه الرسومات في صبيحة اليوم الذي يليه مادة إعلامية وصحفية دسمة لنشطاء الإعلام الإجتماعي في المقام الاول والمواقع والمنابر الاعلامية الاصولية التابعة للتيارات الإسلاموية، وبالرغم أن هؤلاء الشخوص لا يتبعوا “بالتأكيد” للأطر النسوية الفلسطينية المختلفة ويرفضها المجتمع الفلسطيني، إلا أن  الهجوم على الحركة النسوية الفلسطينية، ورائدات نسويات في العمل الوطني الفلسطينيي أو على صعيد المجتمع المدني كان كبيراً، بحجة أن وجودهم في المجتمع هو السبب في ذلك، وكان من السهل أيضاً مشاهدة العشرات من الكتابات التي تدعوا الى تطبيق “الشريعة” في رام الله بحجة أن هذه المدينة “ساقطة” أخلاقياً، وكان الأشد غرابة من هذا كله أن بعض الاصوات التي هاجمت الحركة النسوية الفلسطينية كانت تخرج من جموع كوادر شبابية تابعة لحركة فتح لها متابعينها على صعيد الإعلام المجتمعي.

يمكن القول أن موقف الحركة الاسلامية الفلسطينية المتمثلة بحماس والجهاد الاسلامي تجاه قضايا المرأة ورفضهم للكثير من الممارسات النسوية بحجة “الحفاظ على المعايير الاجتماعية الموروثة” لا يشكل خطراً بمعناه الحقيقي على قضايا المرأة ومطالب الحركة النسوية الفلسطينية. فحماس تعي جيداً مخاطر تطرف الخطاب الديني الرافض للمرأة داخل المجتمع الذي تسيطر عليه، فلذلك في بعض الأحيان كانت تتراجع عن قرارات كانت إتخذتها بضغط من أنصارها، وكان آخرها تراجعها عن إلزام طالبات “جامعة الأقصى” بالزي الشرعي بداية هذا العام، ويمكن رؤية ذلك أيضاً من خلال الصدام المستمر الحاصل بين حكومة حماس وتيارات سلفية مختلفة.

إلا أن الخطر والخوف الحقيقي يكمن في التنامي الملحوظ للحركات الجهادية السلفية في فلسطين “سواء في الضفة الغربية أو القطاع”، حيث هنالك تزايد افقي في عدد تلك الحركات المتشددة، وتصاعد عامودي في الخطاب الديني الأكثر تطرفاً من خطاب حماس والجهاد في قضايا المرأة في المجتمع، والذي لم يقتصر تغلغله داخل الحركات السلفية والأصولية فحسب، بل تفشى بين أوساط “مواطنين عاديين” وشخصيات مرتكزة داخل السلطة الرسمية، وكوادر تنتمى الى أحزاب معتدلة أو بعيدة كثيراً عن التوجه الديني.

 ولعل حالة الإنقسام الفلسطيني بين منظمة التحرير من جهة وحماس من جهة أخرى، وعدم وجود منظومة اعلامية حقيقية تعمل على نشر الوعي، وتردي مستوى المعيشة في الأوساط الفلسطينية، وإرتفاع منسوب البطالة بشكل مذهل، والموقف السلبي للحركة النسوية الفلسطينية العاجزة حالياً عن هيكلة نفسها، والإنقسامات “الذاتية” المتكررة في الحركة السلفية الفلسطينية والتي تؤدى في كل مرة الى “توالد” تنظيمات سلفية أصغر وأكثر تشدداً و”تأثيراً” كونها تعتمد على “حلقات دروس المساجد” التي تتم بعد الصلاة. عملت مجتمعة على خلق خطاب أصولي متطرف داخل المجتمع الفلسطيني ككل، حتى أنه بات يرفض فكرة “المرأة كشريك” مكمل للرجل وليس فكرة المساواة معه.

إن تنامي الخطاب المتطرف في المجتمع الفلسطيني ينذر بعواقب وخيمة على المجتمع ككل، وليس على المرأة والحركات النسوية، خصوصاً وأن هذا الخطاب دخيل على “المعايير الاجتماعية الفلسطينية” وعلى مر التاريخ الفلسطيني لم يكن هنالك خطاب يحرم المرأة من حقوقها، ويفرض عليها ماذا تلبس. فلذلك إن دعم الحركات النسوية الفلسطينية التي كانت أحدى ركائز القاعدة الجماهرية والتعبئة الفكرية في الأحزاب السياسية الفلسطينية وساعدت على تكون هذه الأحزاب قبيل تشكيل المجتمع السياسي الفلسطيني في مظهره الحالي ولعبت دوراً لا يقل شئناً عن الرجل في ذلك، يجب أن يكون بشكل ممنهج، وبقوة الخطاب الأصولي إعلامياً، ويتوجب على السلطة الرسمية إحداث حالة من التلامس اليومي بين النساء المشاركات في صنع القرار والمواطنين، لكي يكون هنالك تقبل من قبل الرجل من خلال هذه الملامسة، ووعي من قبل المرأة في قدرتها على الشراكة الحقيقية.

Advertisements

رسالة إلى العزيز إيهاب

24 نوفمبر 2013

عزيزي إيهاب، طالما كنت مؤمناً بك. ومازلت مؤمناً أيضاً أنك لست مثلهم، فأنت صاحب رداء واحد، ووجه واحد وقلب واحد. ولدي الجرأة الكاملة أن أعترف لك، أنه مع مرور هذا الوقت الطويل “السبع سنوات” التي خَلت وهي الفترة التي إبتعدنا فيها “فيزيائياً” لأسباب الدراسة، لم أجد أحد أزعِجُهُ ويكون فرحاً في هذه الدنيا غيرك، وبالرغم أن هنالك أصدقاء صادقين أمنت بحبهم ومحبتهم، إلا أني كنت دوماً أبحث عن شخص يمتلك رؤى مغايرة للحياة، ويفهم طبيعة من حوله جيداً، كما أنت.

بالرغم من الإنهيار التدريجي والذي يتم بشكل ممنهج لذاكرتي مؤخراً، وفقداني للكثير من التفاصيل التي من المفترض أن يحافظ عليها الإنسان كصورة للماضي الجميل – ربما- ، إلا أنّي ما زلت متعمداً أحتفظ بذكريات كانت بصحبتك يوماً، وسعيت جاهداً أن لا يطالها هذا الانهيار، ففي هذه الحياة يا صديقي الكثير من العقول المُغلقة الغير مبرمجة على استيعابك كلما تَكبر، والمنغلقة على ذاتها ولا تتقبلك ان إختلفت معها مرحلياً. ومن الصعب يا صديقي أن تجد في هذه الحياة البائسة والتي طالما ألعنها “كوني على إيمان مطلق بأن حياة أخرى بداخلينا أجمل وأخف بؤساً منها”، من الصعب أن تجد فيها أشخاص يتقبلوك على طبيعتك كما أنت البسيط، دون أن تتلون لهم وتلبس لهم ألف رداء.

لا أخفيك سراً أني إنزعجت كثيراً من آخر حديث كان قد دار بيننا، وحين قرأت في كلامك “التعب”، شعرت “بغصة” في قلبي، لا اعرف سبب ذلك صدقني، -ربما- لأنك قليل الشكوى والتذمر، أم كوني إعتدت أن أضحك على ضحكتك الهستيرية في المواقف الجميلة؟. كُنت قد ذهبت بعيداً بذاكرتي تلك الليلة الى ما قبل ثلاثة عشر عاماً يا إيهاب، عندما كنا نجلس على مدرج مدرسة الوكالة بلباسنا الأزرق، وقلت لي وانت تشير الى طالب في الصف التاسع “نيالو، هاي آخر سنة الو بالمدرسة، فكرك مطولين احنا عبال ما نخلص؟” وقلت في نفسي لماذا كنا نطمح في أن نسابق الزمن لكي نكبر، ولماذا كنا على الدوام نرفض طفولتنا؟

أنا أتسائل يا ايهاب – هل لأننا قرأنا لقطب وكنفاني في وقت كان من هم بأعمارنا يقرأ القصص المصورة ذات التسّع صفحات، أم لأننا كنا نرسم ما رسمه ناجي العلي عن عرفات وأبو الزعيم في حصة الفن، أم لأننا كتبنا عن الوحدة العربية في موضوع تعبير وضحك علينا استاذنا حينها؟ أم كنا نريد لهذا “التَعَب” أن يأتي مبكراً؟ ربما هي الأخيرة. طالما كانت تحدثني إحداهُنّ عن سعادة طفولتها، وسألتني “ما أجمل موقف في طفولتك” تخيل، لا ادري ماذا كنت ستجيب لو وجه السؤال لك، هل ستبتسم وتمضي؟ طفولتها الجميلة كانت بائسة يا صاحبي، يمكنك تخيل ذلك كونها لم تقرأ سوى لاحلام مستغانمي طيلة حياتها.

لم نعد أطفالاً يابو شادي، والآن ها نحن نعيش الحقيقة، نعيش هذا الوجود الهَش، بالرغم أن الحياة قصيرة حتى “الملل” ولكن لم نعد أطفال .. ولهذا ترى الحُزن يكبر في أعيننا في كل يوم كما يكبر في داخل قلوبنا التَعب، ربما هو القدر الذي خلقنا في طفولة رثة وفي حياة رثة مليئة بأولاد “الشليتة” ولكن كُن على يقين بأن السعداء في هذا الكون الذي نضيق به ذعراً الآن لا ولن يؤخذ برأيهم أبداً فهم ما زالو أطفالاً ولم يكبروا بعد، ليس مثل الذين يكبرون ويكبر كل شيء متعب معهم.

لا يا إيهاب، أنا لا أكتب الآن إليك كوني أحنُ الى الماضي يا صديقي، فأنت تعرف أن الحنين لا يستهويني، نعم .. الحنين متوقف عندي، تأكد أنه متوقف تماماً، ولدي من التجربة “الإنسانية” في هذه الفترة القصيرة ما يكفي لأقول لك بأن الحنين والمشاعر والعواطف التي بداخلنا ما هي الا مواد هلامية، وأن ما هو حقيقي بداخلنا هو فقط ذكاء الروح، وربما تتسائل.. وماذا بعد الآن، وهل بعد هذا المأساة؟ أبداً، وهل يوجد أعظم من “تَعب القلب” يا صاحبي ليأتي بعده تعب؟. لا تقلق، فهنالك جزءاً في القلب لا يصيبة التعب ويمكن أن نَقِصُ ونلعن من خلاله ما يحلوا لنا، فما زالت الحياة مليئة بأولاد الشليتة لنلعنهم، فأنا أكتب لك لأذكرك بأننا اخترنا هذا الطريق بمحض ارادتنا. لقد بَلغنا في طفولتنا وشِخنا في شبابنا فلذلك نحن نعاني الآن، وأكتب لك كوني أخشى – بصدق- ان افقد هذا الجزء من الذكرى التي كنا نغني فيها يومياً، اتذكر كيف كنا نغني؟.

الآن يا صديقي، أنا أنتظر الشتاء، كنت قد قررت أن ازورك في نوفمبر الحالي، ولكن تأخر الشتاء قليلاً، سآتي لنشوي الكستناء على “الصّوبة” ونشرب القهوة، ونتحدث في الكثير من الأمور، وسأسمعك دقائق كثيرة للعباقرة محمد حمام، وصالح عبد الحي، وزياد ووالدته القديسة نهاد، ورشا ودرصاف ولينا شماميان وريبال الخضري وجاهدة وهبة، هؤلاء يا ايهاب .. هؤلاء فقط من يمكن الاعتماد عليهم في ازالة التعب.. والى ذلك الحين كُن بخير فقط، فلا نهاية لأي شيء في هذه الحياة، بل النهاية فيها هي الوجود في أجمل لحظاته.

صديقك المُحب: بهاء
حررت في رام الله / فجر الرابع والعشرين من تشرين الثاني.

 

ثملتُ حتى تمثلت بطائرة ورقية!

20 نوفمبر 2013

صورة

 منذ ما يقارب العامين، كنت قد إتخذت قراراً بالتخلي عن فكرة “الشغف” في التواصل مع البشر، وربما الكثير ممن هم حولي قد لامس هذا الأمر، كنت شغوفاً بفكرة الإتصال والتواصل مع الجميع وكأنني في “علاقة مفتوحة”، وكانت أولى خطوات ذلك التخلي هي إبتعادي عن العمل كإداري في أكبر الملتقيات التنظيمية لحركة فتح، والذي تخلت عنه فتح واغلق لاحقاً – كم سيئة فتح اعلامياً .. دائماً ما كنت تقولها لي- ، وحينها بدأت تدريجياً أفتقد الشغف تجاه الأشياء بشكل عام، ومؤخراً وصلت الى حالة من اللامبالاة الشديدة جداً، ولا تتفاجئ إن قلت لك أني “فيزيائياً” لم أتواصل بصورة مستمرة مع أكثر من 4 أشخاص هذا العام، وفي هذا الشهر تواصلي الفيزيائي لم يكن سوى مع شخص واحد فقط.

ربما يمكن وصف تلك المرحلة التي دخلت بها بمرحلة “الإعتكاف الطويل” فلا شيء أصبح حينها يثيرني أو يستهويني، وجل إهتماماتي أصبحت سطحية جداً، وغالبية وقتي كنت أقضيه في سماع الأغاني، ومشاهدة الأفلام وقراءة الروايات، حتى أني لم أفوت أي فيلم من انتاجات هذا العام – كم عظيمة هوليوود يا صديقي- ، وكنت أغني في الكثير من الأحيان مع فيروز، حتى أدركت هذه النعمة التي أنعم الله علينا بها والمسماة “نهاد وديع حداد”، ومن السخيف القول أني قرأت رواية “شرف” لـ صنع الله ابراهيم ثلاث مرات متتالية، وفي كل مرة كنت أشعر بأني أقرأها لأول مرة.. ربما السبب أنه في كل مرة قرأتها فيها كنت اشعر بأن هنالك حثالة كُثر حولنا وما كان يغيظني أنهم بشر مثلنا. ولا يخفى عليك يا صديقي .. في الكثير من الليالي كنت أواجه مشاهد من الخوف والرعب، وتصاحبها ألام شديدة في الصدر من كمية “الدخان” الكبيرة التي كانت تدخل إليه يومياً ولم أكن أعلم سبب تلك المشاهد المخيفة، ولكن كنت أواجهها بوقاحة شديدة من اللامبالاة وبجرأة كبيرة، حتى أدركت ان حالة التلبد التي أعيشها أكسبتني فائدة عظيمة وهي “الوقاحة في النظر الى المستقبل”.

إن الإبتعاد بشكل كامل عن دائرة الحدث والشأن العام كان إحدى أهم المكاسب التي جنيتها من حالة الإعتكاف تلك، فطوال الفترة الماضية لم أكن جزءاً من أي مبادرة إجتماعية أو سياسية كانت قد طرحت أمامي، فتخليت تماماً عن جميع المبادرات التي كنت أنتمى إليها سابقاً، دون أن أبرر سبب هذا التخلي للقائمين عليها، حتى تلك المبادرة التي بُني عليها آمال كبيرة لإثراء المحتوى الفلسطيني شبابياً “دونّ، غردّ، انشر” كانت سترى النور لولا رفضي لها في آخر لحظة، وبالإضافة لذلك تعمدت أن لا احوار أشخاص لا أعرفهم، خصوصاً الأشخاص الذين يختلفون مع توجهي السياسي، وبالمجمل كنت قد اعتبرت نفسي من “حزب القاعدين ع القهوة”وجزء لا يتجزء من الأغلبية الصامتة التي تصفق دوماً لجميع من يخرج الى شاشة التلفاز ليتحدث، بالرغم من إدراكهم بأنه لا يتحدث إليهم، ولكن اختلفت عنهم فقط في التصفيق، فأنا طالما لم أصفق لشخص دائماً ما يعتبرنا قطيع ماعز بقوله “سَنُضحي” وأولاده خارج هذه المعادلة. واكتشفت بأن الإنسان طالما هو بعيد كل البعد عن “المشهد العام” فهو من الطبيعي بأن يكون ليس بحاجة الى هذا القدر الكبير من الناس حوله، وخصوصاً إن كان لا يستطيع ان يقدم شيئاً مفيداً لهم، وبناء على ذلك إنهارت أمامي دائرة العلاقات مع الناس، وأدركت حينها ان انهيارها يحمي الروح من الكثير من الكذب والتملق، فكثير من الأقنعة قد سقطت .. حاول أن تضرب هذه الدائرة يا صديقي، وسترى أن خسارة البعض ستكون رأس مالك في الدنيا.

لا أدرى إن كانت لحظة الثمالة التي شعرت بها في إحدى الليالي حقيقة أم خيال، ولا أهتم لمعرفة هذا الأمر صدقاً، ولكن ما أذكره جيداً أني أكثرت من سماع الموسيقى والتدخين وكانت تلك الليلة مصحوبة بلحظة جنونية، تخيلت نفسي طائرة ورقية تطير لوحدها ومربوطة بـ”آنتين” فوق سطح منزلنا القديم في مخيم اللاجئين … وربما تَجسُدي بطائرة ورقية وفوق منزلنا القديم الذي لا يوجد لي ذكريات فيه لم يأتي من فراغ، فدوماً ما كنت أحلم أن أصنع طائرة ورقية كبيرة، وبالرغم أني لم أحاول يوماً ولكن كنت أحلم بذلك فقط، وربما تحليقي فوق المخيم كان لسبب أن إبن عمي قد اصطحبني الى ذلك المنزل في العيد الماضي، نعم – طرق على باب المنزل وخرج ذلك العجوز وسمح لنا بالدخول وشاهدت تلك الغرفة التي كنا نعيش بها انا ووالدي وأخي المتواجد بجوار ربه الآن، وفي تلك اللحظة لم أشعر بشيء بداخلي يذكرني بأن هذا المكان كنت قد قضيت فيه 5 سنوات من حياتي، ولم أتذكر موقفاً واحداً صغيراً يربطني بهذا المنزل, أدركت بعدها بأن هذا نتاج العزلة والأعتكاف الذي إخترته.

الشعور بأنك طائرة ورقية أمر جميل، وفوق مكان لا ذكريات لك فيه في غاية الجمال أيضاً، ربما يكون مستغرباً هذا الأمر وربما يكون جميع حديثي هذا هذيان عن تلك اللحظة التي كنت قد مررت بها في تلك الليلة وليس له معنى، ولكن بالنسبة لي له معنى كبير كوني أشعر بأني طائرة ورقية متحررة من كل شيء، ولا يربطني بالواقع الا ذلك الحبل. أيعقل ان تكون هذه “الحياة الأخرى” التي طالما تحدثني بها؟ ربما .. خصوصاً أني على قناعة الآن بأن حياتنا اليومية والتفاصيل التي فيها ليست كل شيء حولنا، فهنالك حياة أخرى بداخلنا.

دائماً ما كنت تقول لي “الي بيخبي القول ما يبقاش ولد” فلهذا كتبت لك مرة أخرى يا صديقي، وصدقاً.. لا أعرف ماذا يمكن أن أقول لك بعد الآن، فقلبي مُتعِبٌ ومُتعَب يا صديقي، فقد سرى الحنين في أوصالي مؤخراً وظلمت نفسي وكتبت لها أسطر مؤلمة، يا لهذا البؤس .. كُن بالجوار فقط لتشاهد ذلك، وكُن على يقين بأني دوماً بخير.

فلتغفر لي يا صديقي!

18 نوفمبر 2013

صورة

كنت خجلاً عندما إتصل بي قبل شهر بعدما ضاقت به السبل للوصول إلي وبعدما قطعت عنه اخباري، كنت خجلاً كوني شاهدته في شارع الحمراء في رام الله ومشيت مسرعاً كوني لا اريد أن يراني بتلك الحالة.. وفهم لاحقاً هذا الأصيل أن اللعنة قد حلت بي، وظن أن اللعنة هي من القلب فقط، وأصبح يخفف عني ويقول:”يا صديقي، الله يلعن سماك، ظننتك طلقت الرومانسية التي بداخلك منذ أعوام، ماذا حل بك؟ أجبته حينها اني فعلاً كذلك ولكن ما تبقى هو كثير من المرار وبعض من دفء القلب، فقال لي الأفضل ان تحافظ على ذكاء الروح وليس دفء القلب هذا.

 كنا قد تعلمنا أن أتفه الأشياء هي التي تُثير، فمثلاُ .. أغنية عادية ولكن عند مقطع جميل فيها ترانا نقول “الله” بصوتنا العالي، وكنا قد تعلمنا أيضاً ان الفكرة تأتي في الاختلاف وليس في التوافق وكنا على ايمان أن أي حوار يوجد فيه توافق في الآراء هو ساذج ولا يستحق ان يثار حوله أي إهتمام، والجدال التافه كان فقط ما يثيرنا، أتذكر كيف قمنا باستهلاك عبارة “الحياة في مكان آخر” نعم العبارة هي  نفسها عنوان رواية لليساري ميلان كونديرا وهي ذاتها الرواية التي رفض جاروميل الشاب حديث السن ونجم المؤتمرات والمنتديات فيها ان يضاجع فتاة خوفاً من ان تكتشف لون كلسونه الذي لا يتماشى مع الوان الموضة، تخيل يا صديقي، تخيل .. في غيابك كنت قد أكتشفت أن هنالك الكثير من جاروميل، يخافون من أمور جميلة ليحافظون على صورتهم أمام البعض.

 لا أخفيك سراً، هذا هو الشهر العاشر الذي أفقد فيه التركيز تماماً الى حد تخليت فيه عن جميع الأمور المهمة، وأصبحت أشغل نفسي في امور ليس لها أي معنى، وأنت لست غريباً عني وكونك تعرفني جيداً، نعم فقدت تركيزي الى ذلك الحد الذي تعريت فيه من ذاكرتي وتركت التفاصيل الصغيرة المهمة في حياتي لحال سبيلها، حتى أصبحت فارغ تماماً لا قيمة لما اقوم به، وبالرغم أني كنت أضحك طويلاً عندما اشاهد بعض الأمور الطريفة ولكن لم أكن أشعر بالفرح، كانت تمر تلك اللحظات كمشاهد فقط كنت اشاهدها ليكتمل مشهد التفاهة التي أعيش فيها.

 هل يمكن ان تتخيل ذلك المشهد؟ نعم، تخيله بدون أي طموح ولا حتى مستقبل، كوني مؤخراً كنت قد تخليت عن فكرة وجود المستقبل الذي كنت أناظره، ولم اعد أؤمن بأن هنالك أحلام كبيرة يمكن للمرء أن يفكر بها، حلمي الكبير الآن يا صديقي لا يكمن في وطن حُر نعيش به سوياً، بل يكمن في شرفة منزل جميلة أقرء فيها صحيفة فلسطينية “حرة” كل صباح فقط، ما رأيك بهذا الإختزال؟ .. أتذكر شهر أيلول عندما قلت لي “يا رجل أي دولة التي تريدها هنا وتحلم بها، الدولة التي نريدها ليست هنا، بل هي في مكان آخر، أتذكر؟.

 ولله الحمد يا صديقي والشكر والعّزة، أنني ما زلت أذكر كلامك لي جيداً، بالرغم من تركي لتلك التفاصيل، وربما هنالك سبب يمكن من خلاله أن اتفائل خيراً، وهو وجودك في هذه الحياة، ووجودك في الحياة هنا وليست تلك التي في المكان الآخر، وربما ذكاء الروح والبساطة التي تربينا عليها سوياً تجلعني على يقين دوماً بأنك لست مثل أولئك الذين يخافون من الامور الجميلة في سبيل المحافظة على صورتهم، فأنا على يقين انك ستكون سعيد جداً حينها حتى ولو كان لون كلسونك ليس على الموضى.

 نوبات الحنين يا صديقي، نوبات الحنين هي التي تزيد من قناعتي بأن الحياة هنا وليست في مكان آخر، يا ليتني حجر يا صديقي، وإلى ذلك الحين الذي سأقتنع به أن الحياة ليست هنا وأتجاوز الحنين وأعود الى ذكاء الروح الذي تريد، أريدك ان تكون وفياً لي ولهذه الحياة، حتى وإن سرقوا منها الأرض والنوافذ ورائحة المطر، وحتى ولو وضع رجل الامن يده على مؤخرتك “وبَعَصَك” بداعي تفتيشك، عليك أن تكون وفياً .. والآن فلتغفر لي كوني فقدت السر الكبير، ذكاء الروح يا صديقي على أمل أن تغفر لي!

للحب وجه آخر!

7 نوفمبر 2013

عندما سُئل الرئيس المصري المعزول محمد مرسي عن رؤيته لتحقيق العدالة الاجتماعية في بلاده، قال “بالحب”، وبالطبع لم يقصد مرسي بهذه الاجابة تلك الكيمياء المتبادلة بين شخصين، وبالتأكيد لم يكن لديه قدرة على زيادة هيرمون الأوكسيتوسين لدى مواطني الشعب المصري لتحقيق هذه الرؤية، بل ربط هذا المفهوم بمفاهيم اخرى مثل “الصدقة المستحبة” و”الزكاة المالية” والأنفال والكفارات والاضاحي” وغيرها من المصطلحات الاسلامية.

العدالة الاجتماعية بمفهوم التيارات الاسلاموية هي قائمة على “العمل الخيري ومساعدة الفقراء” ويستخدم الاسلامويون هذا المصطلح كبديل عن ذلك  العالمي “المسئولية الاجتماعية” بحجة انه مصطلح ليبرالي ويأتي ضمن ضوابط ارتكازية اوروبية، من المحرم استخدامها في المشروع الاسلامي.

فشل الاسلامويين في ايجاد حلول لمشكلات البطالة والفقر والصحة والتعليم والسكن والمهمشين والمرأة والطفل، وفشلوا في ايجاد نظام للضمان الاجتماعي او برنامج اقتصادي لتحسين الدخل أو ساسية ضريبية مبسطة تستوعب الطبقات الفقيرة وتحقق العدالة والكفاءة، وعملوا على بلورة مفهوم “الحب” لخلق “مجتمع الاسلام المحب” ظناً منهم ان بلورة هذه الثقافة “أي الأسلمة” ستعمل على عطف الغني على الفقير وسيعمل الغني حينها على تخصيص “جزء ليس بالبسيط” من ماله للفقراء، وسيعمل رجال الأعمال على دعم اخوتهم في الاسلام من خلال مشاريع وغير ذلك.

إجابة الرئيس المعزول والمسجون مرسي بهذه الصورة دلت وتدل الآن ان جميع التيارات الاسلاموية في الوطن العربي وبالتحديد – النظام الدولي الاخواني – لا يمتلك اي رؤية اقتصادية تعمل فعلياً على التخفيف من حدة الفقر في الوطن العربي، وتزيل الفوارق بين الطبقات في المجتمعات، واختزالهم لمفهوم العدالة الاجتماعية “بالعمل الخيري” كان كارثة بحد ذاته خصوصاً وأن المجتمعات العربية التي تعاني من وجود فجوات طبقية هائلة لا تحتاج الى تكافل بل تحتاج الى سياسات ورؤى اقتصادية بناءة، ومن السخافة أيضاً الاعتماد على المسئولية الاجتماعية المتمثلة “بالعمل الخيري الاسلامي” كأساس إقتصادي، وهنالك تجارب عديدة يمكن النظر اليها للحكم على الحكم الاسلامي.

على كل حال شاءت الأقدار ان يحاكم مرسي في يوم “الحب المصري” فمصر صاحبة الامتياز في اعياد الحب، فهي تمتلك منه إثنان!