سلامٌ عليك

12 نوفمبر 2016

أمي لا تجيد العربية الفصحى. ولا يخرج من كفيها ضوءاً ولم تُرضع نبياً ولم تؤذي أحداً حتى لو ادعت ذلك. هي عظيمة في الدعاء. سمعتها ذات مرة تدعوا فتقول:” يا الله .. يا منير دربه، يا مذلل صعبه، يا من قدرت عليه أن يشتهي ولا يصل، يا من قدرت عليه أن يشير وتقصر يده. أعطه القوة للاستمرار في الثبات. هبه البصيرة لما وراء تبدل الصور والأحوال. هبه اليقين الذي يقضي إلى الحكمة. والحكمة التي تقضي إلى اليقين. حببه بالحب، طوق نجاته من الوحشة. ونور ظلامه في الوحدة. نجه من أنصاف العاشقين. وقساة القلوب، فإن لم تفعل ذلك تاهت خطاه. مسه الضرر يا الله، وأنت منير درب التائهين”. لذلك في يوم ميلادها هذا، لا ينبغي أن يتغير وجهها، يجب أن يبقى هكذا منيراً طيباً. لا يجب أن يسقط شعرها. أو تضعف عيناها. كي لا يختزل الله مني عمراً كاملاً.

Advertisements

ما الحُب؟

12 نوفمبر 2016

صديقي فؤاد لديه ولد ضرير. سمعته ذات مرة يقول له :”يا بني ما فاتك شيء في هذه الدنيا الا وجه امك”. وكان هذا من اعظم ما سمعت.

ماذا ستفعل في عامك الخامس والعشرين؟

12 نوفمبر 2016

في عامك الخامس والعشرين يجدر أن لا تختار الخطوات التي يخطوها قلبك. حيث في هذا السن يتقن القلب التأرجح. عليك ان لا ترى بعينه. عليك ان لا تتكلم بصوته. أنا كبرت جداً. أمي دائماً تقول لي هذا. أدرك ذلك كلما أستحضر ما فات وأميز تكسر الموسيقى. يا إلهي. يُسقِط رأسي بعض الشعر ويجرب ذقني بث بعض الشعرات البيض هنا وهناك ليشعرني بذلك. في عامك الخامس والعشرين تُعجب أكثر بالفتيات المرتدين للدانتيل غيراً عن سواهم. تشرب البراندي دون ان تتناول طعامك. يصبح نومك خفيفاً، توقظك منه ابتسامة فتاة فاتنة ينقصها الطمأنينة تستلقى بجانبك على السرير، تنشر تحت وسادتها بذوراً لتنبت لها احلاماً خوفاً من ان تشاهدك في أحد الكوابيس. في عامك الخامس والعشرين قصيدة ذلك الشاعر الشهير عن عمك الشهيد لن تعد بحاجة اليها ستتخلص منها مع بقايا طعام العشاء في هذه الليلة. في عامك الخامس والعشرين لن تهتم، او ربما تهتم مثلي تماماً وتستيقظ بعد الرابعة فجراً لتهاتف طبيبك الذي أخبرك يوماً بأنك تعاني من تكبراً في النبض. لتخبره بأن هنالك نبضة زائدة او اثنتين سريعتين وأخرى كانت متأخرة لتجعله مهووساً بك كشخص حي.

مولاي

12 نوفمبر 2016

350

ذات مرة. طُرح على الشيخ سيد النقشبندي فكرة أن يأخذ لحناً من الحان بليغ حمدي لإحدى ابتهالاته الدينية بإقتراح من انور السادات الذي كان عاشقاً للإثنين. فرفض سيد المداحين الذي كانت ابتهالاته دون موسيقى هذا الأمر. خوفاً من أن التعاون مع بليغ سينقص من هيبته أمام الناس. ألح عليه من حوله ان يجتمع اقل من ساعة مع بليغ. واقترحوا عليه منعاً من إحراج الطرفين في حال أعجبه اللحن أن يزيل عمامته ويضعها على الطاولة. وإن لم يعجبه يبقيها على رأسه. بعد ساعة دخلوا على الغرفة التي تجمعه مع بليغ كان بليغ يردد”مولاي اني ببابك قد بسطت يدي، من لي ألوذ به إلاك يا سندي؟” ويقوم بتلحينها. وكان الشيخ قد أزال عنه ثوبه وعمامته. وجلس على الأرض من شدة الطرب.نظر نحوهم وقال: ايه ده؟ دا بليغ جن. تعاونهم أصدر إبتهال مولاي.

إحصاءات مملة

12 نوفمبر 2016

في كل يوم في هذا العالم. يمسك طفل ما بحصالته ويقوم بفتحها مقابل خمس امهات يقررن بيع قطعة مجوهرات عزيزة عليهن. هنالك جندي واحد يغلق عينيه كلما وضع يده على الزناد مقابل سبعة في مجموعته يطلقون النار بجنون بطريقة بشعة تجاه خصومهم. فتاة تفقد عذريتها مرغمة والوقت لديها متوقف تماما مقابل اربع فتيات يفقدن عذريتهم برضاهم التام ولا يأبهون بالوقت ولا بعدد الرجال. دودة قز واحدة يقع عليها الاختيار في انتاج الحرير وتربى كما يربى الاطفال مقابل الاف منها تفشل في اختبار الذائقة.  دجال واحد ينجح من محاولته الأولى بينما مئة آخرون يتحولون لرجال دين. هذه إحصاءات غير حقيقية. لا تهم أحد. لا تهمني أيضاً. لا احد يلتفت لقرائتها مثلي تماماً. كون الفقمة العجوز باتت تقتلها القراءة مللاً. قمت بتأليفها لتغطي على احصائات وحقائق أخرى أكثر رعباً بالنسبة لي على الأقل. مثل أنني لا أستطيع التوقف عن التفكير. ماذا يُفترض أن أخبرك؟. في منتصف ليل هذا اليوم الخريفي. الليل تماماً مثل النهار. الناس فيه لا تتوقف عن الحركة كأشباح بعيدة بأصوات خافتة جداً. يجتازون جروحهم وفي داخلهم أمنيات عديدة قتلها النسيان. تشاهد في عيونهم حكايا تنتظر الخلاص. هذه الليلة مثل السلحفاة. تزحف ولا تبتعد. أبطئ من أي  شيء عرفته. على العموم سأحاول ان أكتب إحصائية جديدة عن الليل. الى ذلك الحين سأخبرك بحقيقة ما. في الهند يعتبرون الليل نمرة. وفي افريقيا غولة.  وفي مدينة ما يعتبرونه ضبع. ليس هذا الذي تعرفينه. الضبع هو شيء أقرب الى إمرأة تبكي.

 

 

صندوق بريد: رسائل الى مريم 5

3 أبريل 2016

10576900_807386925968474_6043715761106058577_n

في ذلك الشارع الطويل. ذو المحال الكثيرة التي تمتد على جانبيه. ويفضي في نهايته الى سوق الخضار في مدينتنا. توقفت عن المشي قليلاً. أخرجت حافظة النقود وتفحصتها. كم تبقى لي الآن؟ ثلاث سنوات؟ أو ربما عشرة. ربما ثلاث حكايات او حتى حكاية واحدة. ربما لا شيء. اسرعت الى البقالة المجاورة. طلبت علبة سجائر أخرى. يخبرني البائع أن هنالك نوع جديد من السجائر. أسأله أيهم أكثر ضرراً، أيهم يحرق أكثر؟. الآن سأدعو أحدهم الى سيجارة وسيرفض. وسأقول له وأنا أنفث الدخان بعيداً: هذا ضغط كبير لا بد أن يخف يا عزيزي. يسألني: هل تريد مزيداً من الوقت لأخبرك عن هذا؟ هل تريد مزيداً من الفرص؟. ارجع الحافظة الى مكانها وأدلف إلى التاكسي. سائق السيارة يتكلم كثيراً. لماذا لا يكتفي بالاستماع فقط؟. اقاطعه لأقول بأني أتذكر وجهك جيداً. كان مستديراً بعض الشيء، فيه منحنيات عذبة تلتف وتنغلق لترسم هذا الوجه. حاجبين دقيقين يرتفعان وينخفضان ما بين الاندهاش الأول والاطمئنان الأخير. خصلة شعرك تتحرك دوماً فوق جبهتك دون قيد او شرط. عيناك تتسعان جداً عندما تحدثيني بأشياء لا اعرفها في الغالب. كنت أقتحم كل هذا وأسكن فيه وتلتئم حولي خيوط الوجه وتنغلق الدائرة، فأطمئن وأهدأ. أختلس منك رويداً رويداً. فأدركت حينها اني لم اعد غريباً.

مررت من أمام محل الورد نفسه. ذلك القريب من المستشفى والجامعة على حد سواء. هل تذكريه؟. يشتري منه مريدوه باقات الورود قبل دخولهم باب المستشفى لزيارة معارفهم. وقفت على الرصيف المقابل له وتذكرت لقائنا الثاني هناك. حينها وقفت انتظرك لأكثر من نصف ساعة قبل قدومك. استدرت لأشاهدك تنزلين من التاكسي. تقدمتي نحوي حينها باستحياء، فيما كنت أقوم بكل الخطوات الإستباقية نحوك. صافحتني. وأدرت وجهكِ لتشاهدي الحمام على الرصيف المقابل. لم أشاهد وجهك جيداً. ابتسمت حينها دون سبب. وقلما أبتسم دون سبب. كان الوقت مبكراً، أقل من نصف ساعة على بدء محاضرتك في الجامعة، في الحقيقة كنت في موقفاً لا أحسد عليه، كنت قد وقعت قبلها في غرامك لحظة اللقاء الأول، لا وقت أمامي لأحدثك عن هذا، تديرين وجهك للحمام وأناظر شامتك على خدك الأيمن، دائماً ما كانت تأسرني الشامات. وفاء تقول لي بأني كنت دوماً أسألها عن شامات النساء في صغري، هذه حقيقة لا تضحكي!. بِتُ أقل توتراً حينها عندما طلبتي أن نمشي قليلاً. وسألتني:” هل انتظرت طويلاً؟”. أجبت في نفسي “انتظرتك طوال حياتي”.

توجهت الى ذلك المطعم. ساعتي تشير إلى العاشرة والنصف. كان على زياد أن يحضر قبل نصف ساعة من الآن لمناقشة التقرير الذي استغرق إعداده الأربعة أشهر قبل أن يغادر البلاد. هكذا اتفقنا عبر البريد مؤخراً. لا بأس بنصف ساعة أخرى. ربما تأخر لأمر هام. طلبت كوب قهوة وقطعة صغيرة من السوفليه. وذهبت أتأمل في تفاصيل المكان. لا صوت في المقهى يا مريم إلا صوت خطوات النادل الذي يتجول بين طاولات الزبائن الذين لا يتعدون الخمسة. حائط المقهى ينقسم إلى ثلاثة أجزاء، السفلي منه حجر مصبوغ باللون البني، أما في الوسط فهو لوح زجاج يمتد على عرض الواجهة، يطل على شارع فرعي لا تمره السيارات إلا نادراً. في الجزء العلوي يعود الحجر المصبوغ باللون البني مرة أخرى. الطاولات خشبية مطلية باللون الأسود يغطيها مربع من الزجاج. يسهل مسحه لكي لا تتعلق بعض الأحاديث التي يهمس بها الزبائن. في زوايا المقهى توجد بعض العرائش الخشبية الصغيرة لخصوصية أكثر. مغطاة بستائر من الدانتيل. على الطاولة المقابلة تجلس فتاة لا تمتلك شامة تقرأ كتاب لم تساعدني عيناي الضعيفتان أن أعرف ما هو. تناظر ساعة يدها بإستمرار وكأنها تنتظر شخص ما. وملامح وجهها تقول بأنه لن يأتي. في آخر المقهى كنبة تمتد على عرض مترين. حيث مكاني المفضل اجلس فيه وحيداً عدا علبة سجائري. جاء النادل بقطعة السوفليه وكوب القهوة، كان يتقدم نحوي وهو يناظر عيناي بوقاحة. وقف أمامي ونظر في عيناي مباشرة. ابتسم ابتسامة خفيفة دون سبب. أظن أني سمعت صوتها. أشعلت سيجارة وذهبت أتذكر أين شاهدته. نعم هو نفسه ولم يتغير، هل تذكريه؟ هذا كان الشاهد على لقائنا الأول. حيث جلسنا على نفس المقعد قبل سبع سنوات.

انتهيت من شرب القهوة، كانت الساعة الحادية عشر، والسماء داكنة. كان يتوجب علي أن أغادر. وضعت وشاح الكروشيه الذي صنعته وفاء حول رقبتي. وهبطت نحو مدخل البناية. وقفت للحظات. كان لدي شعور بأن زياد قريب من هذا المكان. قررت أن أمشي بشكل دائري حول ميدان عرفات. وصعوداً وهبوطاً في شارع البريد. بحثاً عن شخص قصير القامة، صغير الرأس. في العادة يلبس قبعة مسطحة رمادية اللون مصنوعة من التويد، وسترة منتفخة ذات لون بني. لا أعرف إن اشترى أخرى بلون آخر في فترة الخمس سنوات حيث كان آخر لقاء بيننا. الشوارع شبه فارغة من المارة، كانت طبقة جليدية من البَّرَد قد غطت الشارع. وللحظة بت لا أرى سوى توهج أضواء السيارات من شدة الضباب. عصفت ريح مفاجئة بشجرة الأكاسيا الموجودة على أطراف الشارع، فتساقطت أوراقها ببطء شديد. أدركت حينها أن زياد لن يأتي. كما ذلك الشاب الذي تنتظره فتاة المطعم. أو كما أنتِ. تتسارع الذكريات في رأسي وتتردد كل الحكاية في أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، يضحك البرد ضحكته الساخرة ويدخل إلي من ظهري ويمتد كالظل المخيف. يحدثني العزيز إيهاب بأننا “كبرنا وأصاب التعب أرواحنا”. لا أجيب سوى بتنهيدة شديدة يتبعها أذى. ربما هذا أدق وصف لما يحدث لي الآن.
كم تدخن يومياً؟. تسألني وأنا أخرج علبة سجائري. خمسة سجائر عادةً، أخرج السيجارة السابعة. فتقول بأنها لا تصدقني. كلمات قليلة، والوقت يمر، أدرك انها منحتني فرصة للإقتراب أكثر. لكن خانتني الشجاعة، لحظات قليلة وغادرت. يتبع السائق استراتيجيات مملة في تجاوز الأمر. او في محاولة تجاوزه. يخبرني بأن الهوان يهاجم بضراوة هنا. نحن على أرضه وبين شعبه. أنا مثلك. لكني ما زلت غريباً، لا املك الا حكاية واحدة وقد نسيتها تماماً. أخبره بانه مبتذل. وممل، لم يدلف الى وجهها المستدير فبقي غريباً ونسي كل شيء. لم يجب. أمال رأسه قليلاً وحدق في طويلاً وأصبح حزيناً فجأة. أردت ان أسأله لماذا أصبح حزيناً، لكن لم استطع. فلماذا قد أسئله الآن؟. نزلت من التاكسي. فتجاوزني وأكمل.

استغرق وقتاً حتى أستيقظ بعد ساعات النوم الطويلة. تختلط علي الأصوات ما بين صوت محمد عمران او صوت أمي وهي تعيد ترتيب الغرفة في اعتيادية تامة. وتدندن فتملأ الوجود صخباً وجمالاً يتمتد الى الأبدية وما بعدها. لا حول ولا قوة الا بالله.. لا حول ولا قوة الا بالله.. تكررها اكثر من مرة. وتسألني عن سبب وجود اعقاب السجائر في مجرى الشباك. تكرر سؤالها مرتين من أصل ثلاثة، افتح عيناي فتبتسم. أغلق الهاتف في لحظة يقول فيها عمران “ان للمتقين مفازا حدائق واعنابا وكواعب اترابا”. فأسألها: هل تعرفين ماذا يقصد الله بكواعب أترابا؟ تجيب بالنفي. إذاً أنت تتعاملين مع نتيجة لأحداث طويلة لم تشهديها كلها. تتعاملين من نتيجة لسبب غير معروف. هو يقصد شبيهات مريم، ذات مرة. منحتني يدها طويلاً. أحسست أن العالم كله قد اجتمع و إنتهى هنا حيث مساحة الالتماس الصغيرة بيني وبينها. ورحبت الأرض بما ضاقت به تماساتنا. ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: على أية حال ما كذب الفؤاد ما رأى.

لا. لا أريد مزيداً من الوقت. هذه العلبة نسبة النيكوتين فيها تزيد عن الأخرى. لذا سآخذ هذه الآن وأحسب كم تبقى لي من الحكايات فيما بعد. وأعدك بأني سأنفث الدخان بعيداً حتى لا أحرق وجهها المستدير بعبثية دخان سجائري. ماذا يفترض بي أن أخبرك الآن يا حبيبتي؟. في وقت الغروب في هذا اليوم الشتوي. الليل يشبه النهار. والناس تغادر من أمام محل الورد نفسه. إنتظرتك كثيراً، أكثر مما أظن. وبلحظة تكشفت لي الحقائق وإن كانت مؤلمة. من الصعب جداً أن أتعلق بأحد ما من جديد. “من جديد من الصعب جداً ان أتعلق بأحد ما”. يخبرني ايهاب بأني فقدت إيماني الذي كان يقيناً يوماً ما. وما الغاية من ايمان بلا جدوى يا مريم؟. حديثه هذا جلب كل مخزون الذاكرة دفعة واحدة يا عزيزتي . لم أصدقه، ولكن هذا لا يعني بالضرورة بأنه ليس على صواب. انها حكاية واحدة يا مريم وأصيغها أكثر من مرة بكلمات مختلفة. إنها حكاية واحدة.

 

صندوق بريد: رسائل الى مريم 4

29 يناير 2016

10576900_807386925968474_6043715761106058577_n

الحبيبة مريم. عام مر على آخر مرة كتبت لك فيها. منذ تلك الليلة لم أكتب شيئاَ. انقطاع تام. أكتب لكِ الآن وينتابني شعور بأني لم أعد أعرف كيف ترتب الكلمات بجانب بعضها. توقفت عن الكتابة لكِ طيلة الفترة الماضية كوني أعرف بأنكِ لن تقرأي ما يكتب. أعرف تماماً ما كنتِ تمرين به حينها. أغلب الظن أن أول ما تريدين معرفته الآن عن ماهية مرضي الذي كنت قد أخبرتك عنه في رسالة قصيرة أرسلتها لك وأنا أجلس في صالة الإنتظار بالعيادة قبل أشهر. هل تذكرين عندما حدثتني بأن الأطباء في عياداتهم يصلون من أجل مرضاهم؟. هذا لا يبدوا حقيقياً. بدا لي بأن الطبيب الذي قصدته للعلاج يدعوا علي في سره. كوني اخبرته بعد سؤاله عن اعراض مرضي عن تلك الخيالات. عن ارتفاع ضغط دمي فوق حاجب ابنة خالي الصغيرة، وحديثي المستمر عن الإرهاق. عن الصوت الذي يخرج من القلب، قبل ان يسميه تكبراً بالنبض. وأغلب الظن انك تريدين معرفة ان كنت قد انتقلت الى عمل جديد أم لا؟. لا أشعر بالرغبة لأحدثك عن هذا الآن كونه يشعرني بالضجر. ليلة أمس بدأت مملة يا مريم. مثل معظم الليالي التي مرت منذ بداية هذا العام. هل الأيام لديك مملة يا عزيزتي؟. فضلت مشاهدة فيلم “حدث ذات مرة في أمريكا” للمرة الثانية على البدء في قراءة رواية ” ألف وتسعمائة وأربعة وثمانون ” لجورج أورويل. من أين حصلت عليها؟. وفاء أهدتني –بلا سبب- ثلاث روايات مؤخراً يا عزيزتي. ربما سَمِعَت من أحدهم أن إبتعادي عن القراءة أصبح أمر مربك، ولكن هذا ليس حقيقياً! فقد انهيت أمس قراءة “المعلم ومارغريتا” لميخائيل بولغاكوف. يا الله ما أجمل ترف قراءة هذا الأدب. لم يخيل لي بأن الصفحات التي خطها بولغاكوف ستفتح لي ذراعيها للقراءة بكل هذا الشغف. سحبني بروايته هذه الى مخيلته الدرامية المجنونة من موسكو التي زارها الشيطان الى اورشليم ومحاكمة سيدنا المسيح على يد بيلاطس البنطي. يمتلك اسلوب فريد في الجمع بين أزمنة روائية مختلفة دون أي اختلال في حبكة الرواية. كل شخصية في الرواية يحق ان يُكتَب عنها روايات مختلفة. لم أكتفي من شغف قرائتها. بل على الفور بحثت مسرعاً عن تفاصيل حياة هذا الطبيب. يا لهذا البؤس، حياته كانت بائسة، ربما أحدثك عنه مطولاً في رسالة أخرى. ولكن ما خطه زهرة يا مريم، زهرة في بستان الأدب الروسي اتمنى ان لا تنهي حياتك قبل ان تنعمي بريحها. للمرة الثانية أصابني اليأس. منذ لحظة مشاهدته الاولى قبل سنوات، وحتى اللحظة لم أنصح أحداً بمشاهدته أبداً. ليس لأنه سيء بالطبع، بل لأنه جيد بشكل مبالغ فيه. نعم يا عزيزتي، اقصد الفيلم. لا أعرف بحق كيف استطاع سيرجيو ليون أن يخلق مثل هذه الملحمة. نعم ملحمة، ما صنعه ليون أكثر من فيلم وأقل بقليل من حياة متكاملة. يتحدث عنا بكامل تفاصيل حياتنا، في لحظة قوتنا وضعفنا. عن انتصاراتنا الصغيرة وخيبات أملنا الكبيرة، التفاصيل التي تحدد مصائرنا. عن الجشع والخسارة عن الصداقة والخيانة، حيث لا فرق خيط رفيع بينهما. عن الطموح، عن الحب. وربما يعلمكِ يا حبيبتي كيف تضحين من أجله. ما تبقى من الليل كان أشد قسوة، حيث لحظة إختلاط الأسود بما سواه، حيث للسكون سطوة يا عزيزتي تملؤه الدقائق المتباطئة التي يبدوا أنها أرغمت أن تترك خلفها ثانية أو إثنتين. تتراكم شيئاً فشيئاً فيبدو الليل لا نهائياً. كجسر مُعلق بيني وبينك تملؤه الفراغات، أفكر بملئها. تحول دون ذلك إرهاصات النوم، حيث يحاول أن يخدعني النعاس. أستسلم؟ أم أسلم؟. أم يستحيل أن يصبح القمر بدراً؟. أراقبه من فراغ ستائر النافذة فيبدو محتالاً. يكتمل لحظة، وينقص لحظات، وهكذا. كأنه في دارة أبدية. أفكر للحظات … أيعقل يا مريم؟. أيخشى الله على هذه الأرواح ألا تجد من يخفف عنها اذا ما اكتمل؟. أول الجسر عندي وطرفه الآخر عندك يا عزيزتي أجيبي إذاً: كيف العبور في ليالٍ لسن بمقمرات؟. الليل. يبذل جهداً يا مريم، يحاول ان يغادر دون ان يحمل معه الآمال الجيدة، لكن لا يستطيع. يتركني مستلقياً على سريري أفكر بأمور تافهة. أنا المستيقظ الوحيد في هذه اللحظة على هذا الكوكب. لذلك هو لن يغادر. أفكر في الليل القديم، الليلة الأولى التي خلقها الله. هل من أحد كان يسهرها؟. ماذا لو كان هنالك ليلة أخيرة، الليلة الطويلة التي ستستمر الى الأبد؟. ماذا كنت سأفعل بها؟. أفكر بالشامات المنتشرة في أنحاء جسدك. أعدها من واحد الى سبعة. أفكر في أجملهم، تلك التي على صدرك الأيسر ام الموجودة فوق حاجبك الايمن؟. احاول ان اكسر السكون المنتشر. اشغل بعض الموسيقى في جهاز السمارت فون. تمر سيارة في الشارع الذي تطل عليه نافذة غرفتي مباشرة. يسبقني صاحب السيارة بكسر السكون. يسبقني بأغنيتين فقط. افكر في الأولى، وأتأمل في كلمات الثانية “ليالي اللي ماردتها تروح راحت وجتني اللي ماردتها تمر علي”. في نهاية هذا كله يا مريم، تظهر مساحات أحادية اللون، مساحات ما قبل الفجر. فيغلقني الليل، فتذهب سحابات الأفكار. تحمل معها مبتدأ العُزلة، ووخزة الحنين وحرقة الإنتظار وشجن الذكرى. وقمر يستحيل أن يصبح بدراً. يغادر الليل مع الأحلام الجيدة، ليس لسبب انه يقصد خيانتي. أبداً، ينتهي ليدفعني لصنع ليل آخر. ربما ليل مشابه بدقائقه المتباطئة وتراكم ثوانيه. وربما ليل مغاير تماماً نغني فيه سوياً وتضعين فيه اللحن الذي تشائين. ليل أبتكر فيه معك أغنية. ليل عظيم، ليل يمون. أنشئ لأجله قائمة “حدث في مثل هذا الليل”. هذا ما أردت أن أحدثك به هذه المرة يا مريم. ولا أشعر برغبة في الحديث عن أي شيء آخر. أحبك مريم في جميع هذه الليالي الطويلة. هل تحبين الليالي الطويلة يا حبيبتي؟.

صور الانتفاضة.. استعرض البهجة والحرية

27 أكتوبر 2015

GettyImages-494020002

نشر هذا المقال عبر موقع الترا صوت بتاريخ 24 أكتوبر 2015. يمكن مشاهدته عبر هذا الرابط.

منذ بداية تشرين الأول/اكتوبر الحالي تواردت إلينا عبر المواقع الإخبارية وشبكات التواصل الإجتماعي  الكثير  من الأخبار و التحليلات والتقارير الميدانية حول الأوضاع في الأرض الفلسطينية المحتلة. المئات من الصفحات الإخبارية والإعلاميين يعملون ليلاً ونهاراً لنقل الخبر من مناطق التماس بين الفلسطينيون المنتفضون وقطعان من المستوطنين وجنود الإحتلال الإسرائيلي.

إستفاد الكثير من الشبان من طفرة أجهزة الإعلام الحديثة، التي إنتشرت بشكل كبير في العقد الأخير بالمحيط العربي. حيث ساهم الإعلام الحديث بشكل ملفت للنظر في نشوء شريحة واسعة من “الإعلاميين الهواة”، لا يقتصر عددها على بعض مئات. بل تقدر بالآلاف. الآلاف من الناس ينقلون الاخبار والتقارير وما يجري على الأرض من وجهات نظر مختلفة عبر حساباتهم الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي، وآخرون عبر مواقع ناشئة خاصة بهم.  لتصبح حساباتهم مصادر إخبارية “موثوقة” للعيد من المواقع والصحف ذائعة الصيت. وبالرغم من التحفظات التي ترافق عملهم وتقاريرهم التي يقول أصحاب المهنة الأصليين أنها تفتقر للكثير من المعايير الإعلامية إلا أن الكثير منهم تخطى إعلاميين محترفين في مدى وثوق أخباره وسرعة نشره للخبر.

لم تكن ظاهرة الإعلاميين الهواة هي الوحيدة الملفتة للنظر. بل أن الملفت للنظر أكثر كان إبداعات المصورين الهواة أيضاً. سيل كبير من المصوريين طغى في العقد الأخير، بعضهم ينقل الصورة بحرفية عالية، حتى وإن كان لم يتلقى أي تدريب في هذا المجال، أو يتقاضى مقابل مادي كونه ليس مصوراً رسمياً للمواقع الاخبارية او الوكالات. هو مجرد هاوي يجول بجرأة كبيرة في مناطق المظاهرات والإحتجاجات بكاميرا ذات مواصفات عادية او بهاتفه المحمول معرضاً في الكثير من الأحيان حياته للخطر أو معرضاً نفسه للمسائلة لينقل لنا ما يجري في هذه المناطق لينقل لنا الصورة.

يمكن تسمية ما يجري الآن حرفياً بـ”عصر الصورة”، حيث تلعب الصورة دوراً مميزاً في نقل الأحداث ومتابعها في مناطق المواجهات، كونها تنتشر بشكل أسرع من الخبر، وفي أحيان كثيرة تغني عنه. حتى أن الصور الغير مباشرة التي يلتقطها الهواة في العادة في مناطق المواجهات تأسر الناس وتلقى تفاعلاً بهيجاً منهم في وسائل التواصل الاجتماعي.

شبان متظاهرون يحتفلون بعيد ميلاد أحد رفاقهم أمام جنود يطلقون الرصاص وقنابل الغاز قرب بيت ايل. آخرون يلعبون كرة القدم خلف دخان إطارات مشتعلة شمال بيت لحم. شاب يرقص الدبكة وهو يرمي حجر بمقلاع على جنود الاحتلال، وآخر كنوع من السخرية يحمل مسدس بلاستيكي ويصوب به نحو جنود الإحتلال. والعشرات من الفتيات يواجهن الإحتلال بالحجارة. كل هذه الصور والعديد غيرها أضافت للإنتفاضة طابع جميل، استقبلناها بالكثير من السرور والبهجة، وأجبرتنا على التعاطي مع المظاهرات بالكثير من التسلية. وأصبح الناس يتعاملون معها كإستعراض شعبي بهيج للإنتفاضة.

لم تكن الصورة الغير مباشرة وليدة اللحظة، ولا حتى استعراضنا البهيج لهذه الصور هو الأول، فالكثير من الصور التي كانت تصل من المناطق التي تشهد مواجهات بين السلطة والجمهور من حول العالم كانت تأسر الناس أيضاً. ربما البعض يتذكر صورة “رجل الدبابة” تلك الصورة الشهيرة لرجل صيني وهو يقف أمام مجموعة من الدبابات في إحتجاجات ساحة تيانانمن في العاصمة بكين عام 1989 محاولاً منعهم من التقدم. أو حتى تلك الصور التي وصلت إبان الاحتجاجات التركية من راقصين بملابس صوفية يواجهون بطش قوات الأمن ويضعون الكمامات على وجوههم. أو المظاهرات التي عمّت شوارع وميادين مصر لخلع نظام مبارك التي كانت مليئة بالسخرية التي اصبحت منهجاً متبعاً لمقارعة النظام. كل هذه الصور وغيرها كانت تنشر الفرح بين متلقيها. وكان الناس يتعاملون معها بنوع من الاستعراض الشعبي الممزوج بالسرور.

تعتمد الوكالات الاخبارية الرسمية في تقاريرها على الصورة الإخبارية المباشرة التي يلتقطها المصورين التابعين لها. ولا تعتمد في نشرها على الصورة الغير مباشرة بالرغم انها تنتشر بشكل أكبر وأسرع عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كون الأخيرة لا تعبر عن الواقع من وجهة نظرهم. دائماً ما يقول الإعلاميين المحترفين هذا الكلام. الواقع مغاير تماماً لما هو موجود في مشاهد الفرح هذه، فالواقع هنا في مناطق المواجهات مع الاحتلال يفرضه الاحتلال نفسه بكل وسائل القمع وأدوات الحرب المتاحة له.

لا اعتقد بأن الجمهور المتابع يغفل عن هذا الكلام، يعي جيداً بأن الواقع مغاير تماماً. وأن الواقع مليء بصور الشهداء والجرحى، وبالرغم من هذا نرى الجمهور يتعامل مع الصور الآتية من هناك بالكثير من البهجة. ولا يتوانى في التعبير عن فرحه في تداولها كإستعراض شعبي حتى وان كان للحظات معينة من الفرح، قبل ان تصله صورة أخرى مغايرة تماماً تعبر عن الواقع وتسلب منه هذه اللحظات.

سيتي إن.. من أبواب الانتفاضة الثالثة

23 أكتوبر 2015

56_36_10_10_10_2013

نشر هذا المقال عبر موقع الترا صوت بتاريخ 10 أكتوبر 2015. يمكن مشاهدته عبر هذا الرابط.

من أين تاتون بكل هذه الحجارة يا مروان؟. فلسطين مليئة بالحجارة، وإن إحتجنا نشتريها. هل تشترون الحجارة؟ كم تدفعون ثمن كل هذه الحجارة؟. لا ندفع ثمن الحجارة بقدر ما ندفع أجرة سيارات النقل التي تنقلها الى الشباب على خطوط التماس. كم تدفعون؟. نحن فقراء يا رجل، ندفع لهم 100 شيكل ونكتفي بنقلتين يومياً، واحياناً لا ندفع لهم، نطلب منهم مسامحتنا. “هذا ما قاله مروان البرغوثي لأحد الصحفيين في بداية انتفاضة الأقصى” في محيط فندق السيتي إن القريب من بيت إيل.

كانت رام الله صاحبة الوجهين في كل يوم صباح هكذا. كان التراكتور الأحمر يأتي يومياً في ساعات الصباح الأولى الى المنطقة الأشهر في رام الله فترة إنتفاضة الأقصى. وهي محيط فندق السيتي إن. ويُفرغ حمولته المليئة بالحجارة الصغيرة والمتوسطة الحجم، لا ادرى ان كانت هنالك معايير لدى سائق التراكتور في إختيار الحجارة. ولكنها كانت ملائمة لأيدي جميع الفتيان والشبان. يغادر السائق فوراً وكأنه أتم عمله على اكمل وجه. قبل قدومه كان الفتيان يأتون بـ “عجال الكاوتشوك” ويصنعون ساتراً منها ويغلقون الشارع. كانت عملية جلب الإطارات جميلة، العشرات من الفتية يقومون بدحرجة الإطارات على جوانب الطريق، الشارع مليئ بالفتية الذين يركلون الاطارات بأرجلهم لترتطم وتستقر خلف حاويات النفايات التي تغلق الشارع. هذا جميعه إستعداداً لقدوم المظاهرة المنطلقة من وسط البلد.

دقائق وتظهر الرايات. رايات ملونة. حمراء وصفراء وخضراء وسوداء وبيضاء. رايات تمثل جميع الحركات الفلسطينية. والاعلام الفلسطينية حاضرة أيضاً. تخترق المظاهرة سيارة تحمل دفعة جديدة من إطارات السيارات. تفرغ حمولتها في آخر نقطة. ويترجل أحدهم يسكب البنزين ويشعل النار ويغادر.

ليس كل من في المظاهرة يصل إلى آخر نقطة صنعها الشبان من إطارات الكاوتشوك، البعض كان يقف بعيداً ليشاهد. مثل السياسيين الفلسطينيين، كان معظمهم يأتي ويقف بعيداً عن نقطة التماس لكي يتصور ويقول انا هنا، ويدلي بتصريح يتصدر إحدى صفحات الجرائد.  واذا كان التصريح لوكالة أجنبية، يكون أفضل بالنسبة له. أيضاً العشرات من الرجال كانوا يقفون معهم. يشربون القهوة ويأكلون أحياناً “الكلاج”. أذكر هذا جيداً كانت عربات الخشب التي تبيع الحلويات والقهوة تأتي الى المظاهرات بشكل يومي.

بعد دقائق من إشعال الإطارات تأتي مجموعة من الجيبات الاسرائيلية. تقف بعيدة بأمتار عن الإطارات المشتعلة ويترجل الجنود لإمطار المتظاهرين بقنابل الغاز لإبعادهم. وإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين عند إلقاء الحجارة عليهم. الحجارة كانت في السماء كالمطر أيضاً. نادراً ما كان يتواجد المسلحون الفلسطينيون ونشطاء الكتائب بين المتظاهرين صباحاً. كانت عمليات اطلاق النار على الجنود تتم بعدما يغادر معظم الشبان. ربما لكي لا يكون هنالك خسائر بين المتظاهرين.

الفتيات كانت حاضرة في جميع المظاهرات التي كانت تحصل يومياً بالقرب من فندق السيتي إن. الكثير من الفتيات تأتي بسطل لنقل الحجارة للشبان. كانت عملية ممنهجة تملئ السطل من ذلك المكان الذي يتواجد فيه من يأتي ليتفرج على المواجهات وتمشي الى نقطة قريبة من الشبان وتفرغه على الأرض. لا ادرى ان سبق وساعدهم السياسيون في تعبئتها. ولكن البعض قال أن بعض السياسيين ساعده عندما اصيب بالإختناق بفعل الغاز. كان البصل هو العلاج لمعظم الشبان.

الشبان. كانوا معظمهم طلاب مدارس وجامعات. من كان يلقي الحجارة كان يحمل حقيبته المدرسية. البعض كان يطوي الكتاب الذي يحمله بشكل عامودي ويضعه في جيب بنطاله الخلفي. كان هذا المشهد هو السائد آنذاك. كثيراً ما شوهد طلاب يمزقون بعض الدفاتر لوضعها داخل إطارات السيارات للمساعدة في إشعالها. كان هذا المشهد مألوفاً.

لأكثر من عشرة أعوام مضت خرج محيط فندق “السيتي إن” من مناطق التماس بين الشبان وجنود الإحتلال. لنعود إليه مرة أخرى منذ بداية أكتوبر الحالي. هل من شيء تغير الآن؟. على مدى اسبوع نشاهد ما يحصل في محيط فندق السيتي إن. لتعود بنا الصورة الى أحداث الإنتفاضة الثانية. الفندق في مكانه والشبان والفتيان نفسهم. ولكن اجيال جديدة باتت تتعرف على المكان. الفتيات ما زالو يزودون الشباب بالحجارة، والإحتلال هو نفسه الذي يطلق الرصاص والغاز على المتظاهرين وينكل بهم. والفلسطينيون نفسهم الشهداء والجرحى. لكن، لا يمكن ان تعود الصورة كما كانت سابقاً. فالمسيرات لا أحد من رموز من الفصائل يتصدرها الآن. الصحافيون يبحثون عن الشبان لإلتقاط الصور لا قادة الفصائل. لا وجود لعناصر مسلحة تباغت الإحتلال وتطلق النار ليلاً. حتى التراكتور الاحمر لا يأتي الى هذه المنطقة. فالعشرات من المباني الفارهة والمطاعم والمؤسسات التابعة للسلطة أنشئت هناك، أمتار قليلة تفصل بين وزارات سيادية يروج أصحابها بأنهم حماة “المشروع الوطني الفلسطيني” وأكبر مستوطنات ومراكز جيش الإحتلال في المحافظة.

صندوق بريد: رسائل الى مريم 3

30 يناير 2015

10576900_807386925968474_6043715761106058577_n (1)

الخميس، ربما تعلمين بأنه يوم إجازتي من العمل يا مريم. حتى اللحظة ما زال بعض المؤمنون حول العالم يحتفلون بذكرى ميلاد سيدنا المسيح. إستيقظت على صوت مولانا محمد عمران وهو يتلو ما تيسر من سورة الكهف. أغلقت التسجيل في لحظة كان يقول فيها عمران “وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً”.  على هاتفي الساعة العاشرة صباحاً. بالرغم من التعب وحاجتي الى النوم لوقت أطول إعتدلت على السرير. أشعلت سيجارة ونهضت بإتجاه النافذة لأرى ماذا حل في الدنيا من شدة نباح الكلاب ليلة أمس. لا تقلقي لا شيء سيتغير في تفاصيل هذا الكون. كعادتي السيئة أطفئت السيجارة بمجرى الشباك وتوجهت لأغسل وجهي. نظرت إليه في المرآة ضحكت ورثيت حظي السيء. وذهبت مسرعاً الى المطبخ لكي لا تفوتني جلسة الإفطار مع وفاء. بصدق يا مريم، لا أذكر متى كانت آخر مرة تناولت الإفطار معها. طوال الفترة الماضية يا عزيزتي كنت أعود من العمل في وقت متأخر جداً وفي معظم الأحيان تكون نائمة. أشفق عليها ولا أوقظها. إعتدت هذه الفترة على أكل الوجبات السريعة أو الباردة. من ثم أنام مباشرة دون الإستماع الى الموسيقى حتى. لا أبالغ إن قلت  بأن حياتي أصبحت رتيبة بشكل مفجع، أشبه بحياة فقمة عجوز تعايش الملل. تتمدد على السرير في محاولة لسماع الموسيقى فيغلبها النعاس وتنام. تعمدت وفاء قبل هذا  أن تعلمني تحضير الكثير من الوجبات السريعة. لذيذة؟ ربما، لكن ليست بلذة الوجبات التي تصنعينها. إبتسامة وفاء مع إنسجام ضوء الشمس على خدها الأيسر وهي تحدثني عن أشياء كثيرة حصلت طيلة الاسبوع هو ما يهون علي كل هذا التعب يا عزيزتي.  طلبت منها تحضير الشاي بالليمون حيث أعاني من كحة شديدة كالمعتاد. الى حين تصفح بريدي لعلي أجد رداً منك على رسائلي اللعينة هذه. ببؤس. أدركت بأن لا شيء جميل ينتظرني هذا العام. ها قد عرج الشهر الأول منه وحتى اللحظة لم أجد تفسيراً واضحاً لما يحدث. أرسل لكِ الكثير من الرسائل وأدرك تماماً بأنك تقرأينها ولكن لا تجيبين. غيابك جعلني مشوشاً. هل تدركين ذلك يا عزيزتي؟. صدقيني يا مريم. سيكون أمراً عظيماً إذ ما أرسلتي أي رد حول هذه الرسائل حتى وإن كان لأمر سيء يحدث لكِ.  حل المساء سريعاً هذا اليوم. ارتديت ملابسي وغادرت المنزل في تمام السابعة. جلست في سيارة الأجرة فوجدتك بجانبي صامتة كالعادة. أدار السائق مؤشر الاذاعة ليحل صوت ام كلثوم في لحظة قالت فيها “والعمل ايه العمل ما تقولي اعمل ايه، والأمل انتا الأمل تحرمني منك ليه؟” نظرت اليكِ مبتسماً دون أن تعيري أي إهتمام. فبدأت أردد مع الست في نفسي “بيني وبينك خطوتين شوف بقينا ازاي، انا فين ياحبيبى و أنت فين”. نظرت  إليكِ مرة أخرى لأرى إبتسامة ولمعان في عينيك كأنكِ تعرفين ماذا يردد عقلي. شجعتني ابتسامتك لأقول: طيب والعمل؟ تحرمني منك ليه؟. نزلت من السيارة وألقيت نظرة أخيرة عليها قبل أن تغادر. صحيح يا مريم كانت فارغة من الركاب تماماً. تقولين في نفسك خيالات؟ إذاً سأخبرك سراً: حاولت ذات ليلة أن أحادث الله. تخيلي!. السماء أحادية اللون. سُلم ذو درجات قديمة كالأزل. صعدت فشاهدت. الخائفون من الصعود لكي لا تتعثر اقدامهم. كانوا مغمضو العينين. أظن بأنهم هكذا أمروا. الطامعون في الوصول بسيرهم الحثيث، خطاهم ثابتة يا عزيزتي. من توقف في منتصف السلم ولم يكمل الصعود، بدا لي بأنهم تعثروا ولكنهم لم يسقطوا. من حاول إخفاء دمعه ومن كان شديد البُكاء. من عايش الفراق دون أن يحظى بفرصة أخيرة للوداع. الطامعون بفرصة أخرى يا مريم. ومن يسأل عن امكانية الرجوع. والهاربون من رحمة من أحبوا لرحمة الله. الصامتون المعتبرون مما حدث. والمتألمون لما يحدث. الثَكالى المَفْجُوعين بالفراق. أنهكتني الخُطى يا حبيبتي. حيث لا أحد يصل، ارْتَعِد فأدرك بأن لا سبيل للوصول. أعود مسرعاً لأرى وجهك يتشكل من بخار أنفاسهم. ماذا كنت اريد من الله؟ اريد ان أسأله عن الحب!. ما الحُب يا مريم. ما الحُب؟. وأنا أكتب لك الآن يا مريم أتذكر كيف كنتِ تصرين على الجدال معي لأمور كنت أظنها تافهة. أسماء أطفالنا. تولين! بربك من أين جئتي بهذا الإسم؟. أين سنسكن، بالقرب من منزل وفاء ام لا؟. الطريقة التي سأحلق بها شعري وذقني. الأفضلية لمباراة كرة قدم ام برنامج اغاني. كم مرة ستزورين امك في الشهر. نوع ثيابك الداخلية في ليالي الصيف. كل هذه الأمور وغيرها كنا نختلف حولها يا مريم. دائماً ما كنتِ تقولين هذا. ونحن الآن على الأقل ودون أن تدركي نتفق سوياً على الغياب. كم أجد نفسي سخيفاً يا مريم وأنا أكتب لكِ عن كل هذه الخيالات التي تملأ فجوات عقلي. ولكن لا تدركين كم سيكون هذا العام عظيماً اذا ما أرسلتي رداً ولو بكلمة حول هذه السخافات. الفقمة العجوز باتت تدعوا ربنا الذي في السماء، رب الطيبين ومنير درب الصالحين أمثالك أن يحفظك من كل سوء حبيبتي.